نحاول عزيزي القارئ الكريم تحت هذا العنوان أن ندرس لشخصيات لعبت دوراً بالغ الأهمية في نشر بشارة الخلاص بين الملأ أجمع، لنستشف من سيَرِها أعمق الدروس، وأبلغ الحِكَم وأجمل العِبَر وأحلى الصور...
وعندما نقول: (رسل الخلاص) لا نقصد الرسل الإثني عشر فقط، بل أيضاً أُناساً آخرين كان لهم دورٌ كبير في نشر وترسيخ هذه البشرى، وتعزيز مفاهيمها وقيمها روحية كانت أم فكرية. ودراستنا هذه ليست دراسة تاريخية نتتبع من خلالها سيرة وحياة الشخصية منذ ولادتها حتى موتها بتواريخ وأرقام، بل هي دراسة لما وراء الشخصية (أرضية وخلفية هذه الشخصية)، أو بتعبير آخر مدى فاعلية هذه الشخصية في أداء رسالتها، وموقعها ودورها في تأدية رسالة الرب يسوع له المجد، لذلك نستطيع أن نقدِّر بعض التقدير إن استطعنا سبب اختيار الرب يسوع هذه الشخصية لحمل هذه الرسالة. ولكي نكون دقيقين في بحثنا وجب علينا أن نضع كل شخص نحاول فهم دوافعه وسلوكه ضمن بيئته التي كان يعيش فيها، لنعرف بدقة ـ ما أمكن ـ مدى تفاعله مع ما حوله وقيمة تأثيره وتأثره بما يحيط به، ومن يتعامل معهم فنكتشف بذلك قوة وضعف، حكمة وجهل هذه الشخصية أو تلك. ومما لاشكَّ فيه إن رسل بشارة الخلاص كانوا يهوداً أو من سكان فلسطين. ومع كونهم مختلفي الثقافات متعددي المواهب، والقابليات، ولكنهم أبناء لمنطقة واحدة. لذلك سنحاول في مقدمتنا هذه أن نؤسس مدخلاً لدراسة هذه الشخصيات من خلال الإشارة إلى بيئة تلك المنطقة، وهذا الشعب، ومن حوله من شعوب أثرت فيه مباشرة. يقال: "الإنسان ابن بيئته". فإذا اعتبرنا شمولية هذه المقولة وقيمتها المطلقة شملت كل إنسان في كل عصر منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا بدون استثناء. ومن خلال هذه المقولة نقف على حقيقة هي: الإنسان ابن لثلاثة: الله، ووالديه، وبيئته. فبمقدار ما يؤثر الله على مجمل حياة الإنسان وروحانيته ويؤثر عليه والداه المسؤولان عن نشأته، ومن ثم تصهره بيئته التي وضع ونشأ فيها في بوتقتها..... والبيئة التي نقصدها هنا ليست البيئة المعروفة بالجو أو المناخ أو ما شابه، بل هي سبعة أسوار يتحصن المرء داخلها شاء أم أبى. وهذه السبعة هي:
1) البيئة الجغرافية (التضاريس والمناخ). 2) البيئة الحضارية (حضارة، تقدم، تاريخ). 3) البيئة السياسية (وما ينتج عنها من نفوذ وسيطرة وبالعكس، وما يتشكل بسببها من أحزاب وجماعات، ونزاعات وصراعات). 4) البيئة الثقافية والفكرية (علمية كانت أم أدبية). 5) بيئة العادات والتقاليد الموروثة والمستحدثة. 6) الخلفية الدينية وما يترتب عليه من ممارسات وطقوس ومعتقدات. 7) العامل النفسي المتأثر بالأمور الستة السابقة.
هذه هي المعايير السبعة التي ستساعدنا في فهم أية شخصية كانت في أي جيل أو زمان أو مكان. ولنأتي الآن إلى توضيح هذه المعايير بعجالة:
أولاً: البيئة الجغرافية: تتميز منطقة فلسطين التي نشأ وانطلق منها رسل بشارة الخلاص بتنوعها الجغرافي. فهي تمتد من غربها على سواحل البحر الأبيض المتوسط بالإضافة إلى وقوع بعض مدنها الجنوبية على سواحل البحر الميت، وقسم آخر من مدنها الشمالية على شواطئ بحيرة طبرية بالإضافة إلى مرور نهر الأردن فيها. فالمساحات المائية الواسعة فيها تمنح أرضها الخصب والنماء، وجوها الرطوبة العالية فتكثر فيها الزراعة والمزارعين ـ والرب يسوع ركز في أمثلته على هذه الغالبية ـ. وقد فرضت هذه الجغرافية المائية طبيعة العمل على سكان المدن والقرى المجاورة لها، فالمهنة ولا شك هي صيد السمك، وإصلاح القوارب أي النجارة، وأيضاً التجارة لكثرة الموانئ فيها. ومن المعروف أن الصيادين موصوفون بالصبر وطول الأناة (بسبب المطاولة في انتظار الصيد)، والجرأة وعدم الخوف (بسبب ركوب البحر)....... وهناك أيضاً المناطق الجبلية وطبيعة العيش فيها تتسم بالصلابة، وأن سكانها أقوياء البنية بسبب كثرة التمرس على وعورة المنطقة وعلى صعود الجبال ونزولها. وأيضاً فيها المناطق الصحراوية وسِمَة العيش فيها هي القساوة والجفاف والعراء (ليس المقصود هنا العري). وشخصية يوحنا المعمدان خير دليل على تأثير هذه البيئة على سلوكه. كذلك للمناطق السهلية نصيبها وهي أكثر المناطق التي تعرف بسهولة العيش فيها مقارنة بسابقاتها.
ثانياً: البيئة أو الخلفية الحضارية: أشرنا إلى أن المقصود بهذه البيئة هو: الحضارة المتراكمة والموغلة في القدم والتاريخ الذي عاشه الشعب الذي تنتمي إليه الشخصية. هذه الحضارة هي الموروث الجَدّي الذي يتغنى به كل شخص، وعلى أساسه يبني أحلاماً على حقائق يحاول من خلالها أن يضع نفسه في مصافي النخبة والتميز. مع العلم أن هذه الحضارة قد لا تكون أصيلة بل مكتسبة ومتأثرة كثيراً بما حولها. فالشعب اليهودي نشأ ضمن حضارات آرامية وكنعانية ومصرية وآشورية وبابلية وفارسية ثم يونانية فرومانية وغيرها. وجلَّ ما افتخر به خلال مسيرة تاريخه هو أنه شعب اختاره الله ليخلصه من العبودية، وليقيم منه نسلاً مباركاً بوعدٍ، فأعطاه الوصايا والتوراة، ثم صارت له كتب المزامير والأنبياء. فمجمل هذه الحضارة في إطارها الخارجي، وفي جوهرها حضارة بمفهوم ديني.
ثالثاً: البيئة السياسية: (تفاصيل هذه الفقرة مأخوذة من أسفار دانيال، وسفري المكابيين. ومن الجدول التاريخي في طبعة الألف والياء الكاثوليكية للكتاب المقدس، ومدخل إلى العهد الجديد للدكتور القس فهيم عزيز). ترتبط السياسة بالنفوذ والسلطة لذلك لها دورها وأهميتها البالغة في التأثير على نمط الحياة المعاشية لا بل حتى على البيئة الفكرية والثقافية، وعلى العادات والتقاليد، وحتى على التعبير عن المعتقد الديني، وبالتالي مجتمعة على العامل النفسي. وبالنظر لأهمية هذا المعيار السياسي فإننا سنتوسع في توضيحه قليلاً: تعتبر منطقة الشرق من أكثر المناطق التي تعرضت لتغييرات وتبدلات سياسية نظراً لكثرة الأطماع فيها منذ القدم بسبب طبيعة المنطقة وخصوبتها....الخ. ونظراً لكثرة هذه التحولات والتبدلات السياسية ظلت المنطقة فاقدة للاستقرار فترة طويلة من الزمن. وبما أننا سندرس شخصيات في العهد الجديد وجب علينا أن نشير إلى التغييرات السياسية في المنطقة للفترة السابقة لولادة العهد الجديد بحوالي 330 سنة، أي بدخول الإسكندر المقدوني إلى فلسطين وفتحا عام 332 ق.م. مع الملاحظة إلى أن الشعب اليهودي والمملكة اليهودية عاشت فترة انشقاق وانقسام منذ العام 933 ق.م ضمكن مملكتين هما مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل في الشمال، والتي انتهت عام 722 ق.م بسبيها إلى آشور، ثم سبي مملكة الجنوب إلى بابل والاستيلاء على أورشليم عام 587 ق.م. وهنا زالت دولة اليهود كلياً وطردوا خارج أورشليم إلى أن جاء العصر الفارسي 538 - 333 ق.م وأذن ليهود بابل بالعودة إلى أورشليم بالمنشور الذي أصدره قورش عام 538 ق.م. وفي هذه الفترة أعاد اليهود بناء الهيكل في أورشليم وعملوا على لم شملهم وإصلاح أحوالهم وإعادة بناء كيانهم مرة ثانية. قلنا أن الفترة التي تهمنا هي فترة دخول الإسكندر إلى المنطقة والسبب هو أن الإسكندر جاء فاتحاً المنطقة ليس سياسياً وعسكرياً بل فكرياً وثقافياً، إذ بذل جهوداً جبارةً يخلدها له التاريخ في نشر الثقافة والحضارة اليونانية في هذه المنطقة وفي كل البلاد التي فتحها. هذا العمل بلا شك أدى إلى تغيير نمط التفكير والثقافة عند الشعب عامَّةً، فالأفكار قد تبدلت والعادات والتقاليد تحولت لا بل حتى المعتقدات تجددت. لكن الإسكندر مات في بابل عام 323 ق.م وانقسمت الإمبراطورية إلى أربعة أقسام، ما يهمنا منها هو حكم البطالمة في مصر: وأول من استولى منهم على فلسطين هو بطليموس الأول (لايجي) في موقعة ابسوس حوالي عام 301 ق.م، والذي قاد قسماً من اليهود إلى مصر. واستمرت فلسطين تحت حكمهم مدة قرن من الزمن كان تاريخ اليهود فيها مجهولاً نوعاً ما لأن البطالمة لم يحدثوا تغييراً في نظام الحكم والإدارة اللذين كانا سائدين تحت حكم الفرس. إن أهم إنجاز حققه اليهود في عهد البطالة وبدعم منهم هو إنجاز الترجمة السبعينية للعهد القديم من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية وذلك في جزيرة الإسكندرية بأمر من بطليموس فلاديفيوس حوالي عام 300 ق.م. لم تبقَ فلسطين تحت حكم البطالمة بل انتزعها منهم السلوقيون واستولوا عليها بعد موقعة بانيوم ودخلوا أورشليم حوالي عام 198 ق.م على يد أنطيوخس الذي رحَّبَ به اليهود (كمخلص من حكم المصريين). ونظراً لهذا الترحيب والفرح رد لهم أنطيوخس هذا الجميل بأن بدأ معهم حكماً متسامحاً، ودعا اللاجئين للعودة إلى بلادهم، وترك لهم الضرائب المتأخرة لمدة ثلاث سنوات، وساعد في ترميم الهيكل على نفقة الدولة. لكن رغم كل ذلك اشقَّ المجتمع اليهودي إلى قسمين: قسم يحافظ على التراث اليهودي مهما كان الثمن (يمثله أونياس الثالث رئيس الكهنة)، والقسم الثاني تنازل عن بعض القيم والعادات والأعراف اليهودية متأثراً بالثقافة اليونانية التي نشرها الإسكندر (يمثله ياسون أخو أونياس). وطبعاً كان هذا التيار أكثر قبولاً وله مكانته لدى السلطة لأنه يعبر عن ولائه لها ولثقافتها. وصل الخلاف إلى ذروته عام 168 ق.م حين أصدر أنطيوخس أمراً يحرم العبادة الإلهية، وأُبطِلَت الذبيحة والسبت والأعياد والختان، وكُرِّسَ هيكل أورشليم لعبادة زيوس الأولمبي بعد أن أقيم له تمثالاً في الهيكل. كل هذا حدث بعد أن ظهر رجل جديد على مسرح الأحداث هو منيلاس من سبط بنيامين الذي طلب من أبيفانس أن يوليه رئاسة الكهنوت فوافقه متعدياً على عقيدة وأوامر تنصيب الكهنة التي تفرض اختيارهم من سبط لاوي: الأمر الذي أثار حفيظة كل اللاويين محافظين كانوا أم متحررين. نتيجة لكل هذه الأزمات والتعديات والحرومات قامت في المنطقة ثورة عارمة بدأها الكاهن العجوز متياوس أومتّتيا عام 167 ق.م (للمزيد من التفاصيل عن هذه الثورة راجع سفري المكابيين الأول والثاني في الطبعات الكاثوليكية للكتاب المقدس أو في الترجمة الموحدة للكتاب المقدس). قادها بعده ابنه الثالث يهوذا المكابي الذي عرفت باسمه (ثورة المكابيين) عام 166 ق.م والتي كان لها أثرها في تغيير الكثير الكثير من العقائد والفكر اليهودي ـ كما سنعرف لاحقاًـ. استلم القيادة بعده أخوته إلى أن نال اليهود استقلالهم التام على يد سمعان المكابي الذي كان دبلوماسياً وانتزع الاستقلال لشعبه عام 142 ق.م، والذي دام لهم ثمانين عاماً تقريباً إلى أن دخل القائد الروماني بومباي أورشليم فاتحاً عام 64 ق.م. واعترافاً بهذا الجميل قرر مجمع اليهود اعتبار الكهنوت شرعياً في بيت المكابيين وهذه هي المرة الثانية التي ينتقل فيها الكهنوت إلى غير سبط لاوي. بدخول بومباي إلى المنطقة بدأ عصر سياسي جديد هو عصر سياسية القانون والقوة العسكرية والنفوذ الذين اشتهرت بهما روما. لكن مع ذلك كان الوضع في فلسطين غير مستقر إلى أن تشكلت ملكية هيرودس أنتيباطر المعروف بهيرودس الكبير في سنة 40 ق.م والتي دامت إلى العام 4 ق.م، وهي فترة اتسمت بالإرهاب والشراسة الذي استخدمها هيرودس في قمع كل تيار معارض، ومقتل أطفال بيت لحم خير شاهد على ذلك. لذلك أبغضه اليهود بغضاً كبيراً لما ذكرناه ولأصله الأدومي أيضاً. بعد وفاة هيرودس اقتسم أولاده مملكته: فكان نصيب هيرودس أنتيباس الجليل (لوقا 3:1) والبيرية، وعُرِفَ بقتله ليوحنا المعمدان (مرقس 6:17-29)، وباشتراكه في محاكمة يسوع (لوقا 6:23-16). دام حكمه منذ 4 ق.م إلى 39 ب.م. بالمقابل كان نصيب ارخيلاوس اليهودية والسامرة وفيليبس والبلاد في شمال البيرية.(متى2:22)،(لوقا3:1). لكن السلطة السياسية المسيطرة كانت في أيدي الحكام أو الولاة الرومانيين. وقد ذُكِرَ منهم في العهد الجديد: بنطيوس بيلاطوس الذي عُرِفَ بالعنف منذ العام 27-37، وفيلكس الوالي الذي حكم من 52-60 والذي كان قاسياً فاسقاً، وله اليد الطولى في إشعال فتيل الحرب الأهلية في البلاد التي حكمها. هذا خلفه فسطس الذي في حضرته رفع بولس الرسول دعواه إلى قيصر (أع 11:15-12). لم يدم زمان الحكام طويلاً إذ انقطع عهده بعودة سلالة هيرودس إلى الحكم مدة قصيرة بشخص أغربيا الأول حفيد هيرودس الكبير، الذي عُرِفَ بأنه كان أول مضطهدي الكنيسة الناشئة (أع 1:12-23). وبوفاته عام 44 عادت اليهودية إلى حكم الولاة وأخذت تتحول من والٍ إلى آخر إلى أن تم تدميرها، هي وهيكلها، وتشتيت أهلها خارجها وجعلها إقليماً ملكياً على يد تيطس عام 70م. وهنا تعذر على اليهود إقامة شعائرهم الدينية لتتكبد اليهودية أكبر خسارة، وأعظم كارثة في نظامها السياسي والديني والوطني على مر التاريخ. على هذه الأرضية المتزعزعة سياسياً، وفي هذه الظروف المتقلقلة وغير المستقرة نشأ وجاهد رسل بشارة الخلاص. فكان مجهودهم مجهوداً عظيماً جداً، ودورهم بالغ الأهمية، وتضحيتهم فائقة الوصف لسبب بسيط جداً هو سهولة إحصائهم مع المعارضين والخارجين عن القانون، الأمر الذي يكلفهم حياتهم على أقل تقدير. (سنفهم هذا الأمر عندما ندرس طبيعة الأفكار والعبادات السائدة ودعم السلطة لها). في العدد القادم سنؤسس للخلفية الثقافية والفكرية التي سادت ذلك العصر وللحركات والتحزبات التي تبنَّت هذه الأفكار والتي تعامل معها الرب يسوع ورسله ونجحوا في تغييرها وتحويلها إلى الإيمان بالمسيح الرب إلهاً ومخلصاً.
المصادر: 1) الكتاب المقدس الألف والياء: النص، والجداول. 2) التفسير التطبيقي للكتاب المقدس. 3) مدخل إلى العهد الجديد للدكتور القس فهيم عزيز. 4) دائرة المعارف الكتابية.