عزيزي القارئ : لست عالماً ولا مؤرخاً ولا أحمل في جعبتي معلومات تؤهلني لذلك ، إنما أنا إنسان بسيط مازلت بالدرجة السفلى من هذا كله . و ما نشر ت هذه المعلومات إلا بعد بحث وتدقيق .
ولست سوى عاملاً بسيطاً جمعت من بيادر العلماء والفقهاء وأصحاب المعرفة والأدباء من نجوم كنيستنا السريانية وغيرهم ممن درسوا وتعمّقوا بتاريخ حضارتنا السريانية حبَّات قمحِ تراثنا الجميل والذي ليس مثيل ، لأقدمه للمتعطشين لمعرفة أسرار هذه الحضارة الرائعة لأنها ما بُنيَت لا بمال ولا بسلطان لكنها بُنَيت بسواعد مجدولة ومن أحجار مجبولة بدماء زكية سُفكت بأساسات هذا الحضارة و جرت من عرقهم المُتَصبب جداول رقراقة روت العالم ما قبل الميلاد و بعده حتى أنه كثير من الناس أو المستشرقين الذين هم ليسوا من أبناء هذه الشجرة أصبحوا توَّاقين ليعرفوا ويعملوا وينهلوا من أصالتها ليرسلوها للعالم أجمع لما فيها من صفحات ناصعة مضيئة وأعمال مُستَضيئة.
لهذا فأنا بدوري شربت هذه الملومات من آباء كنيستي الميامين الذين نذروا حياتهم من أجل تاريخ كنيستهم وحضارتها . ومنهم المثلث الرحمات العلامة مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري كوكب السريان مقدام ملافنتها . والمثلث الرحمات البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم باعث مجد الكنيسة والوطن . والمثلث الرحمات البطريرك يعقوب الثالث الصوت الصارخ في العالم من أجل إضاءة شمعة أمجاد السريان . والمثلث الرحمات المطران مار غريغوريوس بولس بهنام القلم الدافئ والبحر الوافر . قداسة الحبر الأعظم سيدنا مار إغناطيوس زكا الأول عيواص حجر الزاوية وباني قلوب البشر قبل الحجر أطال الله بعمره . والمرحوم الخوري برصوم أيوب حامل لواء اللغة السريانية حتى الرمق الأخير من حياته وهو معلمي وأنا أعتز به رحمه الله .
والكاتب الرقيق الذي أصبح لمحبي العلم والكنيسة صديق، الجدول الهادئ والراهب الصادق الذي كرَّس حياته للعلم بروضة العلماء وللصداقة بحقل الأصدقاء وتألق بالعلم وأصبح عالماً بصفوف الفقهاء هو المطران مار سويريوس اسحق ساكا أطال الله بعمره وأبقاه سنداً أدبياً وثقافياً للكنيسة والإكليروس جمعاء ، وإنني بكل فخر أقول بمقالتي هذه حملت أنوار شمعة كتابه وأضأت بها هذه المقالة . إذا هو المطران اسحق ساكا يتكلم معكم بهذا المقال . اعتمدت به على منهاج اللغة السريانية للمرحوم الخوري برصوم أيوب وكتاب السريان إيمان وحضارة للمطران اسحق ساكا وكتيب مخطوط نقلته عندما كنت طالباً في معهد إكليريكية مار أفرام الكهنوتي في العطشانة وهو تأليف المطران الخالد الذكر بولس بهنام . فأحببت أن أنوِّه لك عزيزي القارئ لئلا يغرك كثيراً وتفتكرني صاحب علم ، لا .. أقولها .. لا.. وبكل افتخار أنا ما زلت طالباً بسيطاً و سأبقى طالباً حتى ساعة القبر وأفتخر بذلك . الآرامية لفظاً وتسمية وتاريخاً إن ضبط لفظ آرام وكتابة هذا الاسم فهو بمد الألف والراء مَفتوحتين كما هو ثابت وشائع في اللغات العربية والسريانية والعبرية ،( أنيس فريحة : دراسات في التاريخ ص 322 ) . ويجب التمييز بين لفظتي آرام و إرم وبين الآراميون والإرميين ، قال العلاَّمة ابن العبري : ( إن الآراميين يأنفون من الاختلاط بالإرميين ) ولا صحة لما ادَّعى البعض قديماً وحديثاًُ أن كلمة إرم ذات العماد الواردة في القرآن الكريم في سورة الفجر 6 مًشتَقَّة مِنَ الآرامية ( من أصحاب هذا الرأي الأب أنستاس الكرملي وطه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات مج 2 ص : 268 ) . إن لفظة آرام لا علاقة لها بإرم ذات العمارت ، لأن المُراد بإرم في القرآن اسم مدينة وللمُفسرين في تَعيين أصلها ومركزها أراء عديدة وآرام في التوراة اسم علم ، وهو الابن الخامس لسام كما علمنا وذكرنا سابقاً .وهي لفظة سريانية مُستَقَّة من جذر سامي مُشترك ( رُم ) يعني المُرتَفِع أو العالي كما سيأتي شرحه . أما معنى التسمية : فإن لفظة آرام هي سريانية مُشتَقَّ من جذر سامي مُشتَرَك ( رُم روم ) يَعني الُمرتَفِع والعالي ، وقيل أنه يعني الجبل أو الوعر فهو عكس مَعنى آشور الذي مَعناه السهل ( الخوري عيسى أسعد لتاريخ حمص ص 127 نقلاً عن دائرة البستاني 2: 761 ). وقال ألأب مرتين: إن آشور مَعناها خطوة ومَشية ( الأب مرتين ـ تاريخ لبنان ص 93 ترجمة رشيد الشرتوني ـ طبعة بيروت 1889 ) .أما آرام فهو لفظ عبراني مُشتَقّ من روم لا يُعرف أصل مَعناها بحسب زعم البعض ، ويقرب من روم العبرانية أي ارتفع أو ( ورم ) بالعربية أي انتَفَخْ وسُمي كذلك إما لأن الآراميين سَكَنوا المُرتفعات والجبال على حد قول البعض ، ولئن كان هذا الأمر غير وارد جغرافياً . أو لأنه يشير إلى علو المكانة وسمو المنزلة نظراً للقدُّم الحضاري الذ أحرزه الآراميون بانتشار لغتهم ، و بالمقابل إن اسم كنعان تَعني الأرض المُنخفضة وهي مشتقَّة في العبرية من فعل ( كنع ) أي ركع وانخفضَ وتواضع ، وهو لفظ ميت في الكلدانية بمعنى خزي، وفي العربية ( خضَعَ ) ( فيليب حتي ـ تاريخ سورية ص 85 ومحمد عطية الأيراشي ـ الآداب السامية ص ) . وجاء في مُلحَق قاموس مَنَّا ( كنَع كنُعُا كنٌوعيُا كلدانية قديمة يجب إثباتها بمعنى كنع ( ملحق قاموس مَنَّا ـ طبعة بيروت 1975 ص 922) . وزعم بعض المفسرين المحدثين لا يراد بِه إلاّ وصف الهيئة المكانية وإنَّما عدلوا في ذلك على أصل اشتقاق هذه اللفظة التي معناها السافل . فكنعان بحسب هذا الزعم البلاد السافلة بعكس آرام أي العالي أو البلاد العالية .ويستدل من كلام العلاَّمة أوغسطينس قوله : (( سبب تسمية أرض الميعاد بأرض كنعان يُعرف من معنى هذا اللفظ معناه المُنخَفِض { القديس أوغسطينس في شرحه المزمور 104 } )) . العلاَّمة هيرونيمس ذكر نفس المَعنة المُشار إليه مستشهداً باثنين غيره مِمَن تَقدم ( القديس هيرونيموس في كلامه عن الأسماء العبرانية في كلمة كنعان ) .وكان هدفهما للدلالة على حقيقة حال كنعان الأدبية بما نزل عليه من لغة جده نوح ، وما عنوا بذلك وصف الجهة التي سكنها لأن هذه التصورات الجغرافية لم تخطر على بالهم.
تاريخ ظهور الآراميين و ظهور تسميتهم ظهر الآراميون على مسرح التاريخ في ألألف الثالث ق.م .على شكل قبائل رحالة عديدة. ولم يتوصلوا الباحثون والمؤرخون إلى تشخيص أسمائهم بضبط ودقَّة على الرغم من البحث والتحري المتواصل والدقيق .فزعم قوم ٌ : أنهم كانوا يسمّون ب ( سوتو أو سوتيو ) ومعناها الرحل ، وذلك في الألف الثالث ق.م . وذهب آخرون أنهم كانوا يُدعون بقبائل ( أحلامو ) في عام 1500 ق.م . وكان الآموريون المقيمون في منطقة الفرات أول من أطلق عليهم هذه التسمية وتعني ( الرفاق أو الأحلاف ) . ثمَّ ظهرت قبائل آخرى إلى جانب أحلامو سُميت بالخبيرو أو العبيرو واقترنت اللفظتان فصارت ( أحلامو أو الخابيرو ) . أمَّا لفظة آرام فقد وردت في كتابة مسمارية ترجع إلى عهد الملك الآكادي نرام سين ( القرن الثالث والعشرون ق. م. ) ثمَّ وردت في كتابة أخرى تشير إلى مدينة أو دويلة باسم آرام قرب مملكة أشتونا في جنوبي العراق (الدكتور أحمد سوسه : العرب واليهود في التاريخ مج 1 ص 98 نقلاً عن Moscati,Ancient semitic Civilizatations ,P168) ). وبرزت آرام كتسمية للشعب الآرامي وعرف بها سياسياً وعسكرياً وحضارياً في آخر الألف الثاني قبل الميلاد ( المطران صليبا شمعون : الممالك الآرامية ـ سلسلة دراسات سريانية ( 4 )حلب 1981 نقلاً عن مجلة التراث الشعبي العراقية عدد حزيران سنة 1971 مقالة للأستاذ طه باقر )) . مقترنة بلفظة أحلامو . ثمَّ تغلَّبت التسمية ( آرام ) على كل القبائل الآرامية في القرن الحادي عشر ق. م واستمرت وتعزَّزت وكان لها شأن هام في التاريخ .وقيل إن الآشوريين أطلقوها أولاً على إحدى قبائلهم ، ثمَّ عمَّت القبائل الأخرى .( ألبير أبونا :أدب اللغة الآرامية ص 12 ـ 13 ) . أما عن تاريخهم السياسي : فإن التاريخ التوراتي ولاسيما التكوين يشير: إلى أن المشرق أي بلاد العراق اليوم هي الوطن الأول للدوحة السامية . قال الكتاب : {{ وكانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً . وكان أنهم لما رحلوا من المشرق وجدوا بقعة في شنعار فأقاموا هناك . هناك بلبل الله لغتهم حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض وبَدَّدَهم وشَتَّتَهم على كل وجه الأرض ولذلك سُميَتْ بابل }} ( تك : 11 : 1 ـ9 ) .
من هنا رأى بعض العلماء وفي طليعتهم المستشرق الإيطالي إغناطيوس غويدي ( Guidi Della Sede Dei popoli Sem ) . إن الجزء الأسفل من الفرات هو المهد الأول للساميين ، وكان مُعظَم سكان هذا الجزء من الآراميين( إغناطيوس يعقوب الثالث : الحقائق الجلية ص 8 ). ومن المؤكَّد أنهم قبل الميلاد بألفي سنة كانوا متواجدين في جنوب العراق ( وادي الرافدين ) أو سهل شنعار بدليل وجود إبراهيم الخليل في مدينة أور العراقية ( تك : 11 : 21 ) ومن الثابت أن إبراهيم كان آرامياً ، وكان قبل الميلاد بألفي سنة ( تك : 26 : 5 ) . ومهما يكن الأمر فقد ظهر الآراميون منذ الألف الثالثة قبل الميلاد كقبائل رُحَّل وحوالي الألف الثانية قبل الميلاد اجتاحوا قسماً كبيراً من بلاد الرافدين وسورية الشمالية والوسطى كما زحَفَ بعضهم إلى مصر وبرية سيناء . وتُعرف هجرة الآراميين بالهجرة السامية الثالثة التي تركَّزت أحداثها داخل سورية .( اعتمدنا في تلخيص تاريخ الآراميين السياسي على : 1 : الكتاب المُقدس . 2 : تاريخ سورية لفيليب حتى . 3 : دراسات في التاريخ لأنيس فريحة . 4 : التاريخ السياسي للآراميين للأستاذ محمد جلب .). الهجرة السامية الأولى كانت : هجرة الآموريين الذين تركَّزت أحداثهم في شمالي سورية ، الهجرة السامية الثانية كانت : هجرة الكنعانيين الذين دارت أخبارهم على الساحل . الهجرة السامية الثالثة كانت : كانت هجرة العبرانيين .
أما الهجرة السامية الرابعة فقد كانت : هجرة الآراميين ، وكانت مركز أحداثهم في جنوب سورية أي فلسطين ، وليس غريباً أن تكون قبائل الخبيرو الآرامية ذاتها العبراني الذي قدم فلسطين غازياً عن طريق شرق الأردن . فإن التقليد العبري يصر على أن أصل بطاركتهم آراميون من العراق القديم ومن حرَّان على وجه التدقيق . وفي سفر التثنية 26 : 5 ، كان على اليهودي أن يتقدم إلى مذبح الآلهة وبيدهأوائل أثماره ليقدمها للرب وأن يقول: ... آراميّاً تائهاً كان أبي ... ) ويقول الدكتور أحمد سوسه : ( وصارت كلمة عابيرو بعد أن صحفت إلى عبري وعبراني تُطلق على أتباع موسى بعد ظهورهم ) ( العرب واليهود في التاريخ مج 1 ص 99 ) .
وقد بلغت الغزوات الآرامية أشدها من حيث العنف والحجم في القرن الحادي عشر ق. م. مُغتَنمين فترة ضعف الآشوريين ، وتقهقر النفوذ المصري ، فتمكَّن الآراميون من اختصاص الشعوب المتواجدة هناك وطردهم كالآموريين والحوريين والحثيين ، وتوجهوا نحو الحياة الحضارية ، وثمَّ لهم إنشاء كيان سياسي وسيادة مستقلة ، إلاَّ أنهم لم يستطيعوا أن يكونوا دولة آرامية موحَّدة ، بل ظلّوا دويلات و إمارات صغيرة في سورية وحاران وفي الأقطار الشمالية للهلال الخصيب ، وبذلك يدخلون التاريخ بشكل بارز يلفت النظر ، وكشعب ذي كيان وسيادة ، وفرضوا لغتهم على المنطقة بأسرها ، وغدوا سادة البلاد نحو خمسة قرون متواصلة ، وأشهر دويلاتهم : الدولة الآرامية في ما بين النهرين ظهرت الدول الآرامية الأولى في منطقة الفرات الأوسط وهي الممر بين بلاد الرافدين وسورية . ومن تلك الدول : آرام صوبا ( صم 10 :6 ) وآرام معكة ( 1 أي :19 :6 ) وآرام النهرين ( تك 24 : 10 وتث : 23 :4 وقض : 3 :8 ). والنهران المقصودان هما الفرات ورافده الخابور ، وليس الفرات ودجلة . ودولة فدان آرام ( تك 25 : 30 و 28 : 2 ـ 7 ) . ويعني اسمها الطريق وكانت فعلاً واقعة على طريق تجارية كبيرة الأهمية وكان مركزها مدينة حرَّان التي أصبحت من أعظم مراكز الحضارة الآرامية وهي موطن إبراهيم الخليل بعد نزوحه من أور الكلدانيين . وآرام بيت رحوب : ( صم 10 : 6 ـ 8 ). وإن كلمة رحوب كان يُسمَّى من قبل رحوبوت ( تك 10 : 10 ـ 11 ). ولما وقعت بأيدي الآراميين في الألف الثاني ق .م . سوها بيت رحوب تبعاً لأصول اللغة الآرامية .( مجلة لسان المشرق مج 2 ص 237 مقال للمطران بولس بهنام بعنوان رحبوت أور حوبوت) .
آرام دمشق : أشهر الدويلات الآرامية على الإطلاق وأقواها وأرقاها حضارياً . ومركزها دمشق . تأسست في أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتطورت بفضل موقعها وأصبحت كمحطة للقوافل التجارية تتمتع بمركز اقتصادي أو عسكري ولعب دوراً في إنهاك الامبرطورية الآشورية وقضى مضجع العبرانيين حتى أصبحت مملكة كبرى تمتد إلى الفرات من جهة وإلى اليرموك من جهة أخرى . ومنطقة دمشق هذه هي التي يعنيها العهد القديم حين تشير إلى آرام أو سورية وقد كان هؤلاء الآراميون في سورية في عهد ملكها رصين الذي هرب ودخل باب مدينته . وهناك أصبح محاصراًً وأخيراً فُتحت دمشق في عام 732 وقتل ملكها وقطعت أشجار بساتينها ، ونُفي أهلها ، وهكذا انتهى أمر آرام دمشق وانتهت معها السيادة الآرامية إلى الأبد .
إن وجود الآراميين على شكل دويلات متعددة ومستقلة عن بعضها البعض دون أن تتمكَّن من توحيد قواها تحت لواء واحد كما مرَّ أدَّى إلى نشوب فتن وخصومات بينها مِمَّا فتَّ في ساعدها الأمر الذي سهَّل للآشوريين القضاء على استقلالهم الذاتي . ففي منتصف القرن التاسع ق. م . هَبَّت آشور واكتسحت الإمارات الآرامية الواحدة تلو الأخرى ، فاستطاع آشور ناصر بال الثاني فرض سيطرته على كل بلاد ما بين النهرين تقريباً إلى حدود بابل نحو سنة 860ق .م . فقسَّمها إلى ولايات صغيرة وفرض على أهلها الجزية . ولم يبقَ للآراميين إلاَّ ( بيت ديني) على المنعطف الكبير من نهر الفرات وكانت على اتصال دائم مع جارتها آرام بيت آحوب ، إلاَّ أنَّ آشور ناصر بال هاجمها وطوَّقها فاستسلمت له صاغرة وأجبر ملكها على دفع الجزية ونقل سكانها الآراميين 2400 نسمة إلى كالح على نهر دجلة . ثمَّ زحف إلى هذه الربوع الملك الآشوري شلمناصر الثالث مرتين متعاقبتين في سنتي 858 و 857 ق.م . فأخضع مات تَبقًَّى من المُدن الآرامية ومن جملتها بيت ديني وبيت رحوب ، وهناك نص آشوري ورد فيه ما يأتي من كلام شلمناصر هذا : (( تلقيت الجزية من ملوك عبر الفرات ، ملوك كركميش { كركميش كانت في موضع جرابلس الحالية ، وهي كلمة آرامية مركبة من كلمتين ألولى ( كراك أو كرخ ) ومعناها مدينة . والثانية ( كميش ) وهو اسم أحد آلهتهم فيكون معناها ( مدينة كميش ) } .
وكومة ( كومة كلمة آرامية معناها الأسود ) وبيت أغوشي ( بيت أغوشي كلمة آرامية معناها ( معسكر ) أو موضع الجيش ). ومليد ( مليد كانت في موضع ملطية أو هي ملطية ) . وبيت غاباري ( بيت غاباري { زنجرلي } وهي كلمة آ{امية معناها موطن الجبابرة ) . وهي فضة وذهب ونحاس وأوعية نحاسية إلخ) ( مجلة لسان المشرق ـ مج : 3 ص :238 ـ 239 ) .. ولئن قُضي على نفوذ الآراميين السياسي ، و زال كيان سيادتهم ، إلاَّ أن لغتهم الآرامية تمكَّنت من أن تعوض عن السيادة والسياسة ، فقد سادت اللغة الآرامية ثقافياً وحضارياً ، وهيمنت على سائر مرافق الحياة الاجتماعية . خلف الآراميين بالسيادة الآشوريون ثمَّ الكلدانيون ، وفي عام 538 ق.م. انقضى الحكم الكلداني لاستيلاء الفرس ، وسقطت بابل ، وبذلك انتهى عصر وهو العصر السامي الذي بدأ حوالي سنة 2500ق.م. وانتهى بسقوط الامبرطورية البابلية الثانية ( الكلدانية ) في 538ق.م. وتبعته سيادة الفرس ، ثم اليونان ، ثم الرومان . وهكذا انقضت أيام الإمبراطوريات السامية ولم تعد إلاَّ بعد أكثر من ألف عام بظهور العرب في أوائل القرن السابع الميلادي . شهدت هذه البلاد خلال حكم اليونان السلوقيين والرومان ظهور انتفاضات وثورات مطالبة بالاستقلال الذاتي كالفرثيين الذين استولوا عام 240 ق.م. والمكابيين اليهود عام 141ق .م. وتبرز في هذه الفترة أربعة ممالك آرامية مستقلة وهي : الرها ، الأنباط ، تدمر ، الحضر .
مملكة الرها : شيّ ضد مدينة الرها سلوقس نيقاطور سنة 304 ق.م. وفي عام 132 استقرت فيها قبيلة آرامية ,أسست دويلة فيها واتخذت الرها عاصمة لها و1ذلك بهمَّة أريو أول ملوكها ( أريو : كلمة آرامية تعني الأسد ) وتسلسل فيها الملوك حتى أواسط القرن الثالث بعد الميلاد .حيث انقرضت مملكتها سنة 244م . وقد عُرف ملوكها بالأباجرة لأن معظمهم كان يُسمّى أبجر . فهنالك أحد عشر ملكاً عُرفوا بهذا الاسم . (( وأبجر كلمة آرامية سريانية معناها الأعرج ) .والأسماء كلها سريانية وعلى اللهجة الرهاوية الغربية . نحو أريو : الأسد . عبدو : عبد . بوخرو : البكر . أبجر سوموقو : أبجر الأحمر . أبجر أوكومو : أبجر الأسود . وقد أطلق السلوقيين على الرها أديسا وسمَّاها الأتراك في القرن الخامس عشر أورفا . وسُميَّت أحيانا كاليرهوي وتاويله الينبوع الحسن لكثرة الينابيع والمياه فيها . فاختصر الآراميون هذا اللقب وقالوا : أورهوي . وأخذ العرب عنهم وقالوا : الرها ( ابن العبري :تاريخ مختصر الدول ص 7 طبعة صاكاني )) . وتقول المصادر السريانية : إن المدينة سُميت أورهوي نسبة لأورهوي بن حويا أحد ملوك الآراميين القدماء . وهناك احتمال عند بعض المستشرقين إن تسمية المدينة ترجع إلة قبيلة آرامية سكنت في هذه المنطقة . وقد جاء لهذه القبيلة ذكر في الخطوط المسمارية باسم :Ruha: ( ولفنسون : تاريخ اللغات السامية ص 146 ). ولقد لعب الصراع الفارسي الروماني دوراً في تاريخها السياسي حتى فتحها العرب المسلمون عام 637 م. وقد بسط الصليبيون نفوذهم عليها لمدة قصيرة ما بين 1097 ـ 1146 وحعلوها عاصمة لمملكتهم في الشرق . واشتهرت الرها كمركز هام للكنيسة السريانية منذ فجر النصرانية سيَّما منذ بداية القرن الثالث حيث أضحت قاعدة اللغة والأدب . الأنباط : للأنباط جذور آرامية تمتد إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد . وبدؤوا بالبروز منذ القرن السادس ق. م . في البادية التي في شرقي المملكة الأردنية الحالية ، أو شبه جزيرة طور سينا . و أنشئوا دولتهم في القرن الرابع ق.م . وبلغت ذروتها في عهد الحارث الرابع سنة 90 ـ 40 ق.م. وامتدت مستوطنات هذه الدولة من نهر
الفرات في المنطقة المتاخمة لبلاد الشام و تنزل حتى تتصل بالبحر الأحمر . وسرعان تحضَّرَ الأنباط وأنشئوا القرن وامُدن ومنها عاصمتهم ( سلع ) ومعناها بالعبرانية الصخرة وباليونانية ( بتراء ) وفي العربية الفصحى الرقيم . وكانت بعض المُدن الآرامية مثل عمان تتناقل بين يد الرومان ويد الأنباط طيلة الفترة ما بين 61 ق.م. لغاية 106م. حيث استقرَّت عمان نهائياً بعد فناء دولة الأنباط إلى يد الرومان عام 106م. وكانت لغتهم إحدى اللهجات الآرامية ، يصفها ابن العبري ( واسمها الكلدانية النبطية { مختصر تاريخ الدول للعلامة مار غريغويوس يوحنا ابن العبري } . وأقدم النقوش النبطية المُكتَشَفَة يرجع إلى سنة 33 ق.م. تدمر : على أثر انهيار دولة الأنباط برزت في الميدان دولة أخرى تمتد بجذورها إلى ألآراميين هي تدمر ، التي نالت مركزها بدءاً من أوائل القرن الثاني للميلاد . وبلغت أوج عزِّها في القرن الثالث للميلاد . وأضحت مركزاً تجارياً هاماً وكانت روما التي خضع لنيرها أغلب أمم العالم القديم تهاب قبائل تدمر وتتودد غليها وتُقدم لها الهدايا وتوفد إليها الوفود . وكانت مدينة تدمر عاصمة ملكهم ، وهي لفظة سريانية معناها : ( ألأعجوبة ) . وكانت الآرامية هي اللغة الرسمية لهم . واتخذ التدمريون القلم المُسمَّى بالقلم التدمري وهو مشتق من القلم ألآرامي . وأقدم الكتابات التدمرية يرجع إلى القرن الأول ق .م. ومن أشهر رجالات تدمر أذينة بن أذينة الذي لقب بملك الملوك واشتهرت امرأته زنوبيا التي كانت تنوب عن زوجها في الحكم ، وفي سنة 271 أعلنت زنوبيا استقلال تدمر عن الرومان وتولت قيادة الجيش وفي أواخر القرن الثالث انتهت السيادة التدمرية على أيدي الرومان . الحضر : كانت مدينة الحضر في زمن الدولة الفارسية إمارة آرامية مستقلة ، وسميت إمارة ( حطارا ) واشهر ملوكها ( برشيما ) وهي كلمة آرامية تعني ابن الفضة .في أواخر القرن الثاني للميلاد ثم حرقها العرب ودعوها ( الحضر ) وتُعد لهجة أرامية شرقية .