|
نستكمل أعزاءنا حديثنا عن البيئة التي نشأ فيها رسل الخلاص : ونتكلم عن الأحزاب التي نشأت متأثرة بالوضع السياسي السائد ، وما نتج عنها من أفكار ومباديء سار عليها أتباع هذه الأحزاب . ولتسهيل المتابعة والدراسة سنتطرق الى خلفيتين أساسيتين هما الخلفية اليهودية ، والخلفية اليونانية أو بتعبير أدق الهلينية .
الخلفية اليهودية : ونتحدث فيها عن : 1 / الأحزاب اليهودية 2 / عناصر التفكير الديني اليهودي
الأحزاب اليهودية الكبرى : ظهرت في العهد الجديد أسماء لفرق دينية كبيرة لها نشاطها الضخم ، وتأثيرها على الحياة اليهودية دينياً وسياسياً وفكرياً . وقد ظهرت هذه الأحزاب في الفترة الواقعة بين العهدين ، وأهم حدث نتجت عن هذه الأحزاب هو ثورة المكابيين - راجع االمقدمة عنها في العدد السابق - التي اتخذت طابع حرب العصابات ، وانضم اليها الكثيرون من الأتقياء ( الهسديم ) الذين أخذوا يغيرون على المدن والقرى يقتلون أتباع أنطيوخوس ، ويهدمون مذابح الأوثان . برز من قادة هذه الثورة أسماء عدة هم أولاد متياوس : يهوذا و يوناثان و سمعان و يوحنا المعروفين بالمكابيين .
أهم الأحداث والنتائج الــتي تمـخضت عنها ثورة المكابيين : 1- أفتى متياوس بجواز الحرب الدفاعية يوم السبت .
2- تحويل حرب العصابات الى حرب مقدسة شاملة للاستقلال بأمر من يهوذا المكابي ( يهوذا المطرقة ) الذي خلف متياوس سنة ( 166 ق . م ) .
3- يهوذا المكابي يشن عدة حروب على جيوش أنطيوخوس الذي لم يعطِ هذه الحروب أي اهتمام حتى صعق بهزيمة كبار قادة جيوشه .
4- أنطيوخوس يكلف ليلسياس أحد رجاله الأقوياء لاخماد الثورة الا أن يهوذا انتصرعليه في موقعتين هامتين هما: ( عمواس ) و ( بيت زور ) . وكانت هذه الانتصارات معجزية مذهلة .
5- يهوذا المكابي يتقدم الى أورشليم ويسيطر عليها ، ويطهر الهيكل من مذابح الوثن ومن الذبائح النجسة .
6- أقام يهوذا الأعياد ، وأرجع فريضة السبت ليبدأ عيد جديد اسمه عيد التجديد سنة ( 165 ق . م ) .
7- عقد معاهدة مع ليبياس القائد السوري تقضي باخلاء القلعة من السلاح على أن يعطى لليهود الحرية الدينية ، وأن يخلع مينلاوس رئيس الكهنة وينصب محله ألياقيم .
8- لم يرضَ يهوذا على البند الثاني من الاتفاقية الذي أصر مجمع اليهود المقدس على قبوله ... الأمر الذي دفع يهوذا الى ترك أورشليم متجهاً نحو الجبال .
9- تعجرف ألياقيم وقتل الكثير من اليهود ، وطلب المعونة من السوريين ، وأراد أن يقتل يهوذا الذي هزمه دافعاً حياته ثمناً لذلك .
10- يهرب أخوة يهوذا ( سمعان ، يوناثان ، يوحنا ) الى عبر الاردن يتبعهم مئات المكابيين .
11- ينتصر يوناثان بالسياسة لا بالقوة ، وبدبلوماسية يدخل الى أورشليم ويطرد ألياقيم من رئاسة الكهنوت ليصير هو رئيساً للكهنة .
12- تتعاقب رئاسة الكهنوت بين المكابيين لتصل الى سمعان أخو يوناثان الذي كان دبلوماسياً أيضاً ، واتخذ من مساندته أحد أطراف السوريين المتنازعين على الحكم فرصة ليقدم لليهود الاستقلال التام ، ورفع كل الضرائب عنهم ، ثم تحرير القلعة السورية وبعض المدن المحتلة .
13- اعترافاً بهذا العمل ورداً للجميل قرر مجمع اليهود المقدس اعتبار الكهنوت شرعياً في بيت المكابيين .
14- في سنة ( 134 ق . م ) يُقتل سمعان واثنان من أبنائه، ويخلفه ابنه الثالث يوحنا هيركانس .
15- في عصر يوحنا هيركانس ينتهي عصر البطولات الحربية للتحرير الديني ويبدأ عصر السياسة.
16- سحق هيركانس الحزب الهليني المعارض في فلسطين . وانتعش حزب المحافظين ، لتتبلور في زمنه هذه الفئات في أحزاب هما : حزب الصدوقييين المتأثرين بالثقافة اليونانية ، وحزب الأتقياء أو الهسديم الذي كان أساساً لجماعتي الفريسيين والإيسينيين .
17- وسّع هيركانس تخومه وفتح طرقاً للتجارة ، واستولى على السامرة وهدم هيكل جرزيم . الا انه مال الى جانب الصدوقيين الذي أضحوا الطبقة الأرستقراطية في البلاد .
18- مات هيركانس سنة ( 104 ق . م ) بعد أن قضى حياة قوية متمسكاً بالشرف .
19- بعده تولى ابنه الأكبر أرستوبولس رئاسة الكهنوت . وكان قاسياً دكتاتورياً فسجن أخويه وقتل الثالث ، ولم يدم حكمه سوى سنة واحدة .
20- خلفه أخوه اسكندر جانوس ( 103 - 76 ق . م ) الذي اهتم بالنقش وصك الصور على النقود ( من هذا العمل نستنتج النفوذ والاستقلالية السياسية والاقتصادية التي حصل عليها الشعب اليهودي ، وقام بعملين هامين :
أ / تحويل معظم البلاد التي فتحها الى الديانة اليهودية . ب / شجّع العداء المستحكم الذي وصل الى الحرب الأهلية بينه وبين الفريسيين ، وبلغ الأمر به الى صلب ( 800 ) فريسي . وفي عهده هرب الفريسيون والإيسينيون الى الجبال والبراري .
21- على فراش موته يتوب ويطلب من زوجته الكسندرا أن تعوض الأتقياء عن كل مضايقاته لهم ، وأن تطرد مستشاريه من الصدوقيين .
22- توّلت الكسندرا الحكم ، ولأنها امرأة لم يسمح لها أن تكون رئيساً للكهنوت ، فوضعت ابنها الأكبر هيركانوس في رئاسة الكهنوت ، والأصغر أرستوبولس في رئاسة الجيش .
23- مال هيركانوس الى الفريسيين ، وأرستوبولس الى الصدوقيين : لينقسم بيت المكابيين في عهدها الى قسمين .
24- بعد موت الكسندرا تنازع الأخوة على السلطة التي تنقّلت بينهما .
25- يتدخل عنصر جديد في الأحداث وهو روما بشخص ( بومباي ) الذي انحاز الى هيركانوس ، الا انه حوّل اليهودية الى مستعمرة رومانية لتفقد استقلالها الذي دام ( 80 ) سنة . وتم تقسيم المنطقة الى مدن ومقاطعات .
26- يظهر شخص جديد على مسرح الأحداث هو ( أنتيبيتر والد هيرودس ) الذي خدم مع هيركانوس مدة 20 سنة . وكان ينتهز الفرص مغيراً ولاءه من حاكم الى آخر حتى تمكن من جعل ابنه هيرودس والياً على اليهودية على وعد أن يصبح ملكاً عليها في المستقبل .
27- حكم هيرودس كملك على اليهودية للفترة ( 37 - 4 ق.م ) ، وكان رجلاً قاسياً تحكمه الغيرة القاسية والشكوك لدرجة أنه قتل عمه يوسف وامرأته مريم المكابية التي كان يحبها ، وابنها وكثيرون، ولا ننسى قتله الأطفال في بيت لحم من ابن سنتين فما دون وما يحمله هذا العمل من آثار سلبية خصوصاً ان كان المولود بكراً فاتح رحم يحمل في الشرع اليهودي بركة الرب للأسرة ، وواجب الأسرة في تقديمه للرب .
28- ختم حياته بقتل جماعة من اليهود حاولوا انزال النسر العظيم الذي وضعه في مقدمة الهيكل . وعلى فراش موته لما علم ان أحداً لن يبكيه حكم بالموت على جماعة من الزعماء فجعل البلاد في حزن شديد تاركاً خلفه تاريخاً بغيضاً قاسياً .
29- مع كل هذا كان هيرودس يحب العمارة : فشرع في بناء الهيكل ، وبنى المدن على الطريقة اليونانية اذ أقام فيها المسارح ونوادي الألعاب ، وشجّع الشعر في أنحاء البلاد . وحاول التقرب من اليهود باحترام عاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم ، لكنهم كرهوه ولم يتجاوبوا معه ، بل انتظروا مجيء المخلص بفارغ الصبر .
30- بعد موت هيرودس انقسمت المملكة بين أولاده الثلاثة: أرخيلاوس على اليهودية والسامرة ، هيرودس أنتيباس على الجليل وبيرية ، وفيلبس على أقاليم عبر الأردن ......
31- لكن أرخيلاوس عزل وتولت روما حكم منطقتي اليهودية والسامرة حكماً مباشراً بواسطة ولاة أو ما يعرف بجباة الضرائب بلغوا السبعة ولاة .
32- كان لقسوة بعض الولاة وطغيانهم الأثر الأكبر في خلق جو جديد من التمرد والثورات في اليهودية ، خاصة بسبب كلوديوس الذي نهب الهيكل وسرق ثروة كثيرين من وجهاء اليهود ، وقتل الكثير منهم .... فاشتد الصراع بينه وبين اليهود الى درجة أفلتت فيها زمام الأمور من يده ، فاستنجد بحاكم سوريا الذي هزمه اليهود .
33- نهاية الحرب : عندما رأت روما خطورة الثورة أرسلت أعظم قادتها جميعاً ( فسبسيان ) على رأس خيرة الجيش ، فاستولى على المدن والأرياف وحاصر أورشليم .
34- في سنة ( 69 م ) أعلن فسبسيان امبراطوراً لروما وتولى ابنه ( تيطس ) قيادة الحصار على أورشليم التي أحرقها جنوده وهدموها وأسوارها وخرّبوها خراباً شاملاً لتتحقق بذلك نبوة المسيح له المجد عن خراب هذه المدينة ، والذي كان عام ( 70 م ) .
35- في سنة ( 13 - 135م) قام اليهود مرة أخرى بثورة تحت زعامة ( سمعان بار كوكبا ) ، لكن الثورة أخمدت بالحديد والنار ، وطرد اليهود من أورشليم نهائياً ، ولم يسمح لهم بدخولها مرة أخرى .
36- من مجمل كل هذه الأحداث يتوضح لنا سبب انتشار اليهود خارج أورشليم والذين عرفوا بيهود الشتات ، والذين سكنوا عدة بلاد في منطقة البحر الأبيض المتوسط ، ومدينة أنطاكية أو ما تعرف بسوريا الكبرى وتركيا ، واندماجهم مع البيئة الجديدة التي حلوا فيها ، وصراعهم الداخلي في الحفاظ على تقاليدهم ومعتقداتهم وسط هذه البيئة الجديدة بكل ما تحتويه من حضارات وثقافات وديانات وعادات وتقاليد ......
نرى من هذه المقدمة أننا أمام ثلاثة أحزاب أو فرق مهمة هي : 1- الفريسيون . 2- الصدوقيون . 3- الإيسينيون .
1- الفريسيون : عرف لكلمة فريسي معنيان : الأول ( منفصل ): وفُسّر على انه يدل على الذين ينفصلون عن الناس. والثاني ( المفسِّر ) : إشارة على الذين يفسّرون الكتب المقدسة والناموس .
صفات الفريسيين : أ / أهم صفة يتميز بها الفريسي هي دراسته للناموس دراسة دقيقة ، ومحاولته وضع تفسيرات كثيرة معدة له ، حتى يضمنوا حفظه . ب / اشتهروا بحفظهم التقليدات ( متى 2:12 ، مرقس 3:7 و 5 ) : وتميزت تقاليد الفريسيين بالمرونة ، وانها قابلة للتغيير والامتداد تبعاً للمواقف المستجدة في الحياة . ج / للسبب أعلاه وصف الفريسيون بأنهم أكثر تحرراً من الصدوقيين، حتى وصفهم يوسيفوس المؤرخ بأنهم حزب العقليين في اليهودية .
معتقدات الفريسيين : أ / ان الله وحده هو الذي يدبر التاريخ ، ويديره ، ويعتني بحياة البشر . على العكس من ذلك كان الصدوقيون الذين نسبوا للانسان كثيراً من الحرية في أن يشكل حياته ، ويكيف مستقبله . ب / اعتقدوا بالقيامة والحياة المقبلة بعكس الصدوقيين ( أع 8: 23 ) . ج / كانت لهم فكرتهم الواسعة عن الملائكة والأرواح بعكس الصدوقيين ( أع 8: 23 ) . د / أما في عقيدة الحياة المقبلة ( الاسخاتولوجي ) فقد كانوا يعتقدون ان الشر يملأ العالم حقيقة ، ولكن الله سينتصر على قوة الشر ، وسيأتي ملكوت الله على الأرض ، وسوف يرد الرب الملك لداود ونسله . ومع انهم كانوا يؤمنون بقيامة الأموات إلا أن تفكيرهم كان أرضياً . هـ / وعن المسيا اعتقدوا انه سوف يأتي من نسل داود ، وسوف تخضع له كل الشعوب ، وسيعطي المجد والملك لاسرائيل .
يسوع والفريسيون : تظهر الأناجيل أن الصلة بين يسوع والفريسيين كانت صلة حوار مستمر . ففي بدء خدمته حاولوا أن يفهموا رسالته ، وهدفه ، فأرسلوا اليه مرات عديدة أناساً يراقبونه ويعطون تقريراً عنه . لكنهم بدأوا يظهرون عدم رضاهم عنه وعن أعماله عندما لم يخضع لتقليداتهم ، وخصوصاً في مسألة السبت والصوم . وأضحى كثير منهم ضده ، وأرادوا أن يوقعوا به . وعلى العكس من ذلك كان هناك جماعة منهم حاولوا أن يتخذوا منه صديقاً وحاولوا جاهدين أن يكسبوه الى جانبهم ، فدعي عدة مرات ليتغدى عند فريسيين ، وحتى على الصليب أظهروا أنهم مستعدون أن يقبلوه لو فعل أمامهم معجزة واحدة وأنزل نفسه من على الصليب ( متى 42:27 ) . أغلب الفريسيين حنقوا على يسوع لأنه صار أكثر شعبية منهم ، لأن الأمة ذهبت وراءه . وقد وبّخهم الرب توبيخاً صارماً لأنهم بنوا ديانتهم على الرياء والمظاهر الخارجية - حتى صارت الفريسية مضرب مثل على ذلك - وصارت هذه المظاهر الصفة البارزة في حياتهم الدينية بينما كان يسوع يعلم ويحقق في حياته العمق الحقيقي للحياة السامية .
2- الصدوقيون : هم الحزب اليهودي الثاني الذي كان له أثر كبير في الحياة اليهودية ولا سيما في الحياة السياسية .
الصفات الضاهرة للصدوقيين : ينتظر الانسان من حزب سياسي مشهور بالمكر والدهاء أن يكون أفراده لطفاء حتى في الظاهر ، ولكن يوسيفوس المؤرخ يصفهم عكس ذلك فيقول أنهم كانوا قساة وغير مهذبين . وقد ظهرت قسوتهم هذه حقاً في محاكمتهم ليسوع ( متى 67:26-68 ) ، وفي محاكمة بولس ( أعمال 7:23 ) . وينسب اليهم يوسيفوس أنهم هم الذين قتلوا يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم . تميّزوا أيضاً بجشعهم ومحاولتهم الغنى من وراء التجارة في الهيكل ، وكانوا يعمدون الى الخديعة في تجارتهم في ذبائح الهيكل ، وفي تغيير العملة الأجنبية الى الشاقل المقدس الذي لم يسمح لأي عملة غيره أن تدخل الى القدس . هذا كله دفع يسوع الى أن يثور عليهم ويطرد كل عملائهم وما لهم من الهيكل ( مرقس 15:11-18 ) .
عقائد الصدوقيين : بالاضافة الى المعتقدات التي أشرنا اليها من خلال مقارنتها مع معتقدات الفريسيين هناك عقائد أخرى منها : أ / اعتقدوا أن العبادة الحقيقية والديانة الصحيحة هي التي تتركز في التقدمات والذبائح والمحرقات ، ولهذا تمسكوا بعبادة الهيكل . ب / يعتقدون ان الروح تموت مع الجسد . ج / ينكرون شيئاً اسمه العناية الالهية . د / الخلاصة انها كانت ديانة حسية مادية .
علاقتهم بيسوع والمسيحيين : تظهر الأناجيل أن الصدوقيين وعلى رأسهم رؤساء الكهنة لم يبالوا بظهور يسوع ، ولم يجدوا فيه خطراً يذكر في أول خدمته . لكن سفر أعمال الرسل يظهر أن رؤساء الكهنة كانوا أكثر ضراوة ووحشية في مقاومتهم للمسيحية والمسيحيين في عهد كنيسة الرسل ( أع 1:4 ) واستمرت عداوتهم هذه حتى زالوا هم من التاريخ المقدس .
3- الإيسينيون : اختلف العلماء في تحديد معنى اسم الإيسينيين وأصل اشتقاقه وقالوا : - انه مشتق من الكلمة اليونانية ( هوسيوس ) بمعنى مقدس . - انه يأتي من الكلمة العبرية ( حصيد ) ومعناه تقي . - ظنت جماعة ثالثة ( سحا ) بمعنى يستحم . - أو ( صنبل ) بمعنى متكبر . - أو ( حسايم ) بمعنى صامت ..... وغيرها من التكهنات .....
حياة الايسينيين : تكشف مصادر معرفتنا عن الاسينيين وخاصة مخطوطات البحر الميت عن : جوانب عديدة من حياة الاسينيين . فقد اعتقدوا عقيدة راسخة انهم وحدهم جماعة العهد المتجدد الذي سيبقى الى الأبد . وكانوا يجتمعون مرة كل سنة لكي يعيدوا عيد تجديد هذا العهد . وكان من أظهر ملامح حياتهم التشديد المتعنت في الغسلات والتطهير ، ولهذا السبب امتنع الأكثرون منهم عن السكن في المدن لأنهم كانوا يخشون الاختلاط بالمدنيات الغريبة فيتنجسون . ويمكن أن نلخص حياتهم فيما يلي :
أ / الاشتراكية : كان كل شيء في الجماعة مشتركاً : البيت والحقول والملابس والطعام ، كان كل بيت مفتوحاً لأي انسان من هذه الجماعة . وكان لكل الجماعة وزير واحد يجمع أجورهم وأموالهم ويشتري لهم بها كل شيء ، لم يكن بينهم بيع ولا شراء ، ولا سيد ولا مسود يشتركون في الاحساسات والمشاعر . فضّلوا حياة الكفاف على الثراء والغنى، كان صغيرهم يخضع لمن هو أكبر منه ، وأحبوا بعضهم بعضاً ، وكان الهدف الذي يجمعهم معاً ويشد أرواحهم اليه هو الحرب الأخيرة ... الحرب المقدسة التي ينتصر فيها شعب الله ويظهر الماسيا .
ب / الزواج : يذكر فيلو و يوسيفوس أن الايسينيين كانوا يعزفون عن الزواج ، وكانوا يعتقدون أنه يعطلهم عن عملهم . وكان أقدس عمل عندهم هو الاستعداد للحرب المقدسة ضد الشر . وكانوا يعتقدون أن من يتزوج منهم يرتكب خطية النجاسة فلا يحق له أن يبقى في المحلة ، ولهذا صارت الدعوة بالامتناع عن الزواج من صلب دعوتهم وديانتهم ، ويفسر هذا عدم وجود أجساد نسائية في مغارات ومدافن قمران ، ومع ذلك كانوا يتبنون أطفال غيرهم حتى لا تنقطع الجماعة ..... ولكن يوسيفوس يذكر عنهم رأياً آخر هو أنهم سمحوا لبعضهم بالزواج ، ولكن كان الزواج عندهم لانجاب النسل فقط ، ووضعوا لهذا الزواج أحكاماً كثيرة مشددة .
ج / مطاليب الانضمام الى الجماعة : لقد فرض على من يريد الانضمام الى جماعة الايسينيين مطالباً قاسية شديدة : فيجب أن يجوز تحت الاختبار القاسي سنة كاملة ، يتمم فيها كثيراً من الفرائض والأحكام ، وعندما يبرهن انه مخلص في طلبه فان الجماعة تقربه اليها ، ويمنحونه أن يشارك في المياه المقدسة ، ومع ذلك فلا يستطيع أن ينال العضوية الكاملة الا بعد مرور سنتين أخريين بعدهما يعطى العهد المقدس ، ثم يقسم أن يكون تقياً أمام الله ، عادلاً أمام الناس ، لا يكسر الشريعة ، يحفظ الايمان ، لا يتعالى على الغير ، لا يسرق ولا يتنجس ، لا يخفي شيئاً عن الجماعة ، يحافظ على أسرارها وعقائدها فلا يسلمها إلا لمن يدخل ويقبل فيها ويسلمها بأمانة تامة .
الأحكام الإيسينية :
كان النظام الإيسيني شديداً قاسياً على كل مرتكبي المخالفات . فقد يصل الحكم الى حد الحرمان من الطعام المقدس فيموت الجاني جوعاً لأنه لا يستطيع أن يأكل شيئاً غيره . وكانت محكمتهم تتكون من مئة قاض ولهذا كان حكمها نهائياً لا رجوع عنه . وكان لهم شخص موقر يجلونه بعد الله مباشرة واسمه ( معلم الصلاح ). يحترمون الشيوخ ، ورأي الاغلبية هو السائد بينهم ، يدققون في حفظ السبت أكثر من أي يهودي آ خر في العالم، وهم يقسمون أنفسهم الى أربع درجات أو مراتب ويعتبرون المرتبة الرابعة أقصى درجات الكمال الايسيني .
د / موقفهم من الهيكل : كانت هذه الجماعة تشترك في عبادة الهيكل ، فكانوا يرسلون الذبائح إليه دون أن يذهبوا هم خوفاً من النجاسة والاختلاط ببقية الناس النجسين. ولكنهم كانوا يقدمون في نفس الوقت ذبائح أخرى في مكانهم، وكانوا يعتبرونه قدس أقداس الأمة . وكانوا يؤمنون أن الرب في آخر الأيام سيأخذ الهيكل من الأيدي النجسة ويعطيه لرئيس كهنتهم هم المقدس .
هـ / عبادتهم اليومية : كانوا يصلون باكراً عند شروق الشمس حتى ظنهم البعض أنهم يعبدون الشمس . وبعد هذه الصلاة يذهبون الى عملهم المتنوع حتى الساعة الحادية عشر ، فيحضرون الى مطعمهم المقدس وهناك يجلسون في صمت وسكون فيوزع عليهم الطعام ويطلب لهم الكاهن البركة ثم يأكلون . وبعد ذلك يطلب الكاهن البركة مرة أخرى ثم يستريحون ، وبعد ذلك يقومون لعملهم مرة ثانية حتى المساء ، فيأتون الى المطعم المقدس ويفعلون نفس ما فعلوه في الصباح ، وكانوا يعبرون بذلك عن استعدادهم التام لمجيء الماسيا وحضور عشائه عظيم .
و / دراسة الكتب : كان الأيسينيون أعظم من درس العهد القديم . وكان يوم السبت مخصص لهذه الدراسة العميقة ، فقد كانوا يجتمعون معاً فيقرأ أحدهم من الكتب المقدسة ، وبعد ذلك يبدأ من كان ضليعاً في الكتب بتفسير ما قُرأ ...... ويقول يوسيفوس أن بعضهم احترف النبوة ، وكانت لهم كتب التفسير الخاصة بهم .
4- منتظرو خلاص اسرائيل :
كانوا جماعة متفرقة حملت كل آمال اليهود الروحية . اختلفوا في عقيدتهم وميولهم ومركزهم الاجتماعي ... فمنهم الكهنة كزكريا أبي يوحنا المعمدان ( لو 8:1-25 ، 67-80 ) ومنهم العذراء مريم ( لوقا 2:1-56 ) وحنة النبية ، وسمعان الشيخ ، هؤلاء وغيرهم ممن لم يكن لهم النفوذ الاجتماعي أو السياسي أو الديني كانوا يمثلون كأفراد وجماعات صغيرة كل مثل اليهود العليا ، وكانوا يعيشون في انتظار الخلاص الروحي والسياسي الذي يقوم به الرب لشعبه .....
الى جانب كل هؤلاء كان هناك الشعب بكافة عناصره منهم : البسطاء والكادحون ... العشارون والخطاة ، وغيرهم ممن انقادوا وراء رسالة وكلمات يوحنا المعمدان ومن ثم المسيح له المجد كغنم مساكين لا راعٍ لهم .
الفكر اليهودي في فترة ما بين العهدين لم يتأثر العهد الجديد بفترة ما بين العهدين سياسياً فقط . بل كان التأثير الديني والفكري أوضح وأكثر عمقاً .... وهناك كثير من المعتقدات والتنظيمات التي ظهرت في العهد الجديد ولكن يقابلها مثيل لها في العهد القديم مروراً بما طرأ عليها من تأثيرات في فترة ما بين العهدين . لقد كان العهد القديم الأساس الأول ، وجاءت فترة ما بين العهدين الغنية بالتفكير والمعتقدات وبنت على هذا الأساس ما شاء لها من البناء ... وتتوضح هذه الحقيقة بدراسة مجموعة عناصر التفكير اليهودي في تلك الفترة :
1- فكرتهم عن الله : لقد حدث تغيير ضخم في موقف الشعب بعد السبي من جهة فكرتهم عن الله . فقد كانت تجربتهم المرة قبل السبي تكمن في الأصنام وعبادتها . وكانت الانذارات القاسية والكثيرة التي وجهها الأنبياء الى الشعب هي ترك الرب الههم وعبادة آلهة غريبة . في السبي ( 586 ق . م ) حدث معجزة عظيمة هي أن هذا الشعب نبذ فكرة الأصنامية نبذاً نهائياً قاطعاً .
ونظراً لما يجري حول هذا الشعب من تيارات دينية متعددة فقد ظهرت آثار عقيدة زرادشت واضحة بين اليهود خاصة عند جماعة يسمون الرؤيون . فقد اعتقدوا أن العالم قد صار فاسداً شريراً ولا رجاء منه ، ولا يمكن أن يكون لله الكلي القداسة أي اتصال أو صلة بهذا العالم الفاسد . أما اتصاله بهذا العالم فيكون عن طريق ملائكة ورؤساء ملائكة ، وبهذا الشكل ظهرت عقيدة : (( السمو المطلق لله )) . واختلفت العقيدة الأولى : (( سكنى الله في وسط شعبه في الهيكل وسيره معهم )) . وبلغ بالناس تقديسهم لله أنهم كانوا يخافون أن ينطقوا باسمه ، فاسم الله أقدس من أن ينطقوا به . ولكن الله لن يترك العالم الفاسد هكذا ضحية الشر والأثم لأن له فيه شعباً ، ولذلك سيتدخل هو يوماً ما بقوة وجلال فيحطم الشر ويقيم ملكوته الأبدي .
على أساس هذه العقيدة غضب الفريسيون من الطريقة التي اتبعها المسيح في تعاليمه عن الله كأب محب يرعى كل مصالح شعبه أفراداً وجماعات . واتهموا يسوع بأنه لا يقدس الله تقديساً كافياً ، وأنه نزل بفكرة الألوهية الى مستويات لا تليق .
2- الناموس : بنى اليهود عقيدتهم في الناموس على عقيدتهم في الله . فالله توارى وراء السحاب وصار أعلى من السموات، ولم يعد الآن صوت النبوة يسمع أو يرتفع في الأمة . فالله لا يتكلم مع البشر الآن . لكنه مع ذلك ترك مصدراً أبدياً لمعرفة إرادته ، هذا المصدر هو الناموس . فرجع الناس الى الناموس باعتباره الطريق الوحيد الباقي الكامل لمعرفة القصد الالهي في حياتهم . وكان الناموس الرباط المتين الذي يربطهم ويوحدهم كلما ألمت بهم الظروف القاسية ، لهذا أضحى الناموس الأساس القوي القويم لحياتهم الدينية والمدنية والسياسية . وتخصص منهم أناس في دراسته وفهمه أطلقوا عليهم اسم (( الكتبة )) . كانت كلمة ناموس تطلق على أسفار موسى الخمسة ، ثم توسعت فشملت كل كتب الأنبياء ، وأخيراً صارت تطلق على كل أسفار العهد القديم .
الى جانب هذه الكتب كان هناك مجموعة ضخمة من التعاليم الشفوية ، قيل أن الله أعطاها لموسى على الجبل، لكنه لم يضعها في كتاب بل سلمها الى السبعين شيخاً الذين اختيروا ليعاونوه في خدمته . وهكذا صارت تسلم من جيل الى جيل الى أن وصلت الى أيدي رجال المجمع الكبار الذين يقف عزرا الكاتب على رأسهم .
لقد قسّمت هذه التعاليم الى قسمين رئيسيين :
أ / حالقاه : وكان يقصد بها أن : تمم عمل الناموس المكتوب ( أو الحياة المنضبطو بالناموس ) ، ويقصد بها أيضاً ( مبدأ تشريعي ) فقد كان هناك بعض الحالات التي لم يشملها الناموس في أحكامه فلا يجوز للشيوخ أو القضاة أن يقفوا عاجزين أمامها ، بل يجدون في هذه التعاليم ما يرشدهم الى الحسم فيها .
ب / الهاجاداه وتعني التعاليم : ( مأخوذة من كلمة " هيجيد " بمعني يخبر )، وهي التفسير الذي لم يرد في " الحالاقاه ". والغرض منها تفسير الناموس ، فهي مملوءة بالشروحات والأمثلة والقصص التي توضح وتظهر معنى الأحكام والفرائض المختلفة في الناموس . ولقد جمع اليهود هذه التقاليد الشفوية في مركزين مختلفين سمي أحدهما (( التلمود البابلي )) وهو الأكثر شهرة من الآخر (( التلمود الفلسطيني )) . ( متى 2:15 ، مرقس 3:7 ) .
3- الديانة الشخصية :
في هذه الفترة بدأت فكرة الديانة الشخصية تتسع لتشمل كل الناس تقريباً : والديانة الشخصية تعني أن كل فرد في الشعب يشعر أنه مسئول أمام الله دون الشعب كله . وهذا خلاف ما كانوا يؤمنون به قبل ذلك ، فقد كان الفرد يشعر بأن مرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمة بحيث يصبح مذنباً عندما تقترف الأمة إثماً ، وانه بار عندما ترجع الأمة الى الرب دون النظر الى حياته هو الشخصية ... وأول من ساهم في تعميق هذه الفكرة أو العقيدة في ضمير الشعب هو ارميا النبي ، ويؤكد حزقيال النبي هذا التحول الى الفردية في عبارات قوية (حزقيال 18).
السبب الرئيسي الذي دفع الى هذا التحول من الجماعة الى الفرد هو التحول من ديانة الذبيحة والهيكل الى ديانة الناموس . فديانة الهيكل ديانة أمة مرتبطة معاً كفرد واحد ، أما ديانة الناموس فهي ديانة أفراد ، لأن الناموس قادر على خلق الضمير الفردي ( قصة دانيال وسوسنة ) .
ساعد هذا الكيان الديني للفرد على حفظ الجماعة حتى في أصعب ظروف السبي ، ولم تستطع الأصنام على اجتذاب الناس وسط السبي في الوقت الذي كانوا ينطلقون اليها قبل السبي بكل قوة .
لقد كان هذا التحول الى الفردية سبباً في بقاء الأمة التي يجمع أفرادها طقس واحد هو : الختان ، وعبادة واحدة ، وايمان مشترك واحد .
4- الملائكة والشياطين :
نتيجة عقيدة السمو المطلق لله ظهرت عقيدة أخرى هي عقيدة الأرواح ، وتقسم الى صنفين :
أ / الأرواح الصالحة وسميت ملائكة : وهي التي تخدم الله وتعمل ارادته ، وهي التي تؤثر التأثير الصالح في الناس . ب / الأرواح الشريرة وسميت الشياطين : وتعمل رسلاً لإبليس عدو الله لكي تؤثر التأثير الشرير في الناس .
لقد كانت بذور هذه العقيدة موجودة في العهد القديم ، فقد كان هناك ملاك العهد الذي كثيراً ما كان يمثل الله ( خروج 2:3 ) ، وكان هناك الشيطان أو ابليس ( أخبار الأيام الأول 1:21 ، أيوب 6:1 ) ... ومع ذلك فقد كانت هذه الشخصيات مبهمة لا يعرف عنها الشيء الكثير . أما في فترة ما بين العهدين فقد اتسعت هذه العقيدة اتساعاً هائلاً .
وظهرت آثار هذه العقيدة في العهد الجديد ، ولكن الناس انقسموا تجاهها الى فرق : أنكرها الصديقيون ، واعترف بها الفريسيون . أما المسيح فقد قبلها بتحفظ شديد : فبينما اعترف بوجود الملائكة والشياطين أنكر أن الملائكة هي التي تكشف إرادة الله مثلما ظن مفكروا اليهود ، لأن الذي يكشف إرادة الله الآب هو الابن الذي في حضن الآب .
5- الرجاء في الماسيا :
كان للظروف التي أحاطت باليهود في كل عصورهم الأثر الأكبر في دفعهم للنظر الى المستقبل . وتبلورت انتظاراتهم هذه الى عقائد واسعة أطلق عليها اسم : (( علم الأخريات )) Eschatology . وكانت أهم عقيدة في هذا العلم هي عقيدتهم في مجيء المسيا أو المسيح ، وهو المخلص الذي بواسطته سيخلصهم الله من هذا العالم الشرير ويرفعهم الى مرتبة المجد .
لم يكن انتظار المسيا أو المسيح شيئاً جديداًَ على عقلية اليهودي في فترة ما بين العهدين ، بل كانت جذوره في العهد القديم نفسه . وقد تنبأ الأنبياء عن مجيئه وعن الخلاص الذي يقوم به . ثم أعطوا أوصافاً كثيرة عنه : فهو نبي مقتدر مثل موسى ( أع 22:7 و 33 ) ، وهو ملك يأتي من نسل داود ( لو 32:1 ) ، وهو متواضع ( زكريا 9:9 ) ومخارجه منذ الأزل . ومن يقرأ الإصحاحين 6 ، 9 من نبوة أشعياء يجد أوصافاً كثيرة لهذا المخلص .
لكن مع كل هذا المجد الذي أسبغه الأنبياء على المسيح لم ينسبوا اليه الدور الأول في تنفيذ الخلاص بل الى الله ، أما المسيح فهو الرجل الذي يقيمه الله لتنفيذ ذلك الخلاص .
لقد غيّر السبي كثيراً من هذه الفكرة ، خصوصاً بعد أن أخذت الديانة الشخصية تحل محل الطقوس الجماعية ، وأخذ دور الكتبة يزداد ، واتسعت فكرة اليهود عن العالم ، فلم يعد الجنس البشري مقتصراً عليهم وعلى من يحيط بهم من شعوب صغيرة ، ومعاملة الله للناس لم تعد وقفاً عليهم هم ، بل رأوه في كل الحركات التي كانت تظهر في الممالك والامبراطوريات العالمية المتسعة . فكان هذا التغير الضخم مع روح الانتظار الذي تملك عليهم عاملاً في تعميق فكرة المسيا وتفسير المواعيد والنبوات الخاصة به تفسيراً متسعاً متبايناً . وكان أهم ما ظهر في عقيدة المسيا هو أنه لقب بلقب (( ابن الانسان )) ( دانيال 4:7 ) .
لكن هذه العقيدة وتمسك الناس بها كانت تتأرجح بين الظهور والاختفاء ، فبينما اشتد ظهورها واشتد انتظار الناس لمجيء المسيا في عهد أنطيوخوس أبيفانوس ، بدأت تخفف وتخفض في عهد المكابيين ، لأن اليهود أحسوا بأنهم نالوا الاستقلال التام والسيادة . ولكن ما أن فقدوا ما نالوه في عهد هيرودس حتى تفجر انتظار الناس لمجيء المسيا بقوة عارمة ، فاتسعت التفسيرات وكثرت ، ووصف عصر المسيا وعمله في صفحات كثيرة ، وبدأت أفكار العامة تضيف الكثير الى هذه العقيدة . ويشهد العهد الجديد على هذا الرجاء الملتهب ، فكان الناس يظنون في كل يوم أن ملكوت الله سوف يظهر في الحال ( لوقا 11:19 ) . ولهذا السبب التفوا حول يوحنا المعمدان ، ولما رأوا معجزات يسوع وسمعوا تعاليمه ذات السلطان البالغ بدأوا يتبعونه منتظرين ، لعله المسيا ، ولكن رفضوه أخيراً لأنه لم يحقق لهم حلمهم القديم فيكون المسيا السياسي الذي يوجه الضربة القاضية لأعدائهم .
6- الخلود :
لكن العقيدة التي ظهرت في هذه الفترة وكأنها لم تكن من قبل هي عقيدة الخلود. فعندما بدأت آمالهم في النصرة الأرضية تتحطم ، وعندما ابتعدت عن عيونهم مراكز الرجاء والراحة، زاد إيمانهم فتطلعوا مكافحين متسلحين بهذه العقيدة : عقيدة الحياة المقبلة .
لم تكن هذه العقيدة واضحة في العهد القديم ، ولم يذكر عنها سوى تلميحات في بعض كتب المزامير وسفر أيوب ( مزامير 16 و 17 و 49 و 73 ، أيوب 13:1 ز 15 و 19 و25 - 29 ) . وكان السبب الأول في عدم ظهورها هو أن رجاء اسرائيل تركز أولاً وأخيراً على المواعيد الزمنية وميراث أرض كنعان والخلاص والمجد الزمنيين، وعندما كانوا يفكرون فيما بعد الموت لم ترتفع أفكارهم عن كونها (( هاوية لا يحمد فيها الناس الله )) .
لكن الجو يتغير في كتب التلمود والأسفار القانونية الثانية ( أي التي لم تكتب بالعبرية ). ففيها ظهرت عقيدة الحياة المقبلة واستخدم الكاتب ألفاظاً مخصصة للتعبير عنها، حتى كلمة خلود نفسها.
ارتبطت بهذه العقيدة صورتان :
أ / قيامة الأجساد : التي بدأت تظهر في عصر المكابيين كإحدى عمد الحياة المقبلة . واستمرت تنتشر ويتمسك الناس بها حتى وصلت الى ما وصلت عليه أيام المسيح ، إذ أضحت عقيدة ثابتة عند الفريسيين . لكنها لم تظهر كاملة كما كانت في عهد المسيح له المجد ، فقد كانت تنسب للأبرار فقط الذين اعتقد مفكروا اليهود أنهم يقومون ويملكون مع المسيا ، ثم اتسعت لتشمل الأشرار ، ثم ارتبطت الفكرتان معاً فقيل أن الأبرار يقومون عند مجيء المسيا أما الأشرار فيقومون في القيامة العامة .
ب / العقاب والثواب : وهذه الفكرة أيضاً تطورت فبدأت أولاً بفكرة مكافأة الأبرار الذين تعذبوا في هذه الحياة الحاضرة ( الحكمة 1:3 و 5 و 10 ، 14:5 ) ثم اتسعت فشملت عقاب الأشرار ........ وقد أطلق على المكان الذي يوجد فيه الأبرار (( حضن ابراهيم )) ، ومكان عذاب الأشرار (( جهنم )) . ولم تكن جهنم هذه أبدية مطلقة بل محددة يتعذب فيها الأشرار حتى يوفوا عقاب خطاياهم وبعد ذلك يسيرون في المعبد ليدخلوا الفردوس .
وقال كثيرون إن الفردوس وجهنم حالتان وسيطتان تعقبهما حالة البركة الأبدية .
أما الذين لا يتوبون فلم توضح كتابات اليهود شيئاً عنهم : أ يتعذبون الى الأبد أو يبادون نهائياً ؟
تمسك يسوع في عقيدة القيامة واستخدمها في تعاليمه : ( متى 26:5 ، 22:11 ، لوقا 19:16-31 ، 43:23 ، 47:12 و 48 ) .
المراجع : - الكتاب المقدس . - د. القس فهيم عزيز / مدخل الى العهد الجديد . - دائرة المعارف الكتابية . - فهارس وجداول وشروحات الكتاب المقدس / الألف والياء ( الطبعة اليسوعية ) . مراجع ذات صلة : - أطلس الكتاب المقدس . - جفري بارندر / المعتقدات الدينية لدى الشعوب . - سليمان مظهر / قصة الديانات . - موقع ويكيبديا الموسوعة الحرة . - مخطوطات نجع حمادي / على النت .
الأب القس بولس ملكي كاهن كنيسة حماة
|