|
( بمناسبة أعياد الميلاد : نقطع بهذا المقال سلسلة دراسة شخصية رسل الخلاص ، وبنفس الوقت نكمل من حيث انتهى المقال الأخير: قد تم ملء الزمان ليولد المسيح المخلص ) حين بدأ الرسل في حقل الخدمة التبشيرية : اختبروا هذه البيئات والأفكار التي تحدثنا عنها في المواضيع السابقة ، وهم الآن أمام تنوع عرقي ، وجنسي ، واجتماعي ، و فكري ، وأيضاً ديني ومعتقداتي .
وعليهم أن يشبعوا جوع وشوق كل هذه الأطياف للحضور الإلهي الدافيء المنقذ المخلِّص في حياتهم ..... من هنا كان عليهم إعلان وإعلام تلك الحقيقة التي آمنوا بها والحياة التي عاشوها ((الله معنا)) و إشراك الجميع ودعوتهم للعيش فيها .
إنها عملية شاقة وصعبة تلك التي سيقوم بها هؤلاء الرسل ، إذ عليهم القيام بتحضيرات ، واستئصالات ، ثم زرع ومتابعة ونقاهة . لذلك أبدع آباؤنا السريان حين وصفوا هؤلاء الفعلة المجتهدين بالأطباء المهرة الذين طببوا كل حسب اختصاصه ، وداووا بأدوية منتخبة مناسبة لكل حالة ..... والآن دعونا نستمتع ونطلع على المهارة التي سلكها هؤلاء بإلهام الروح القدس واستشارته .
متى الرسول : مرضاه قد آمنوا واعتقدوا أن الله قد تسامى وارتفع فوق السحب ، ولم يعد يسكن وسط شعبه ويُسمعهم صوته أو صوت النبوة ، بل اكتفى بإعلان أوامره ورسائله عن طريق الملائكة ( راجع المقال الثاني في هذا الباب - الخلفية اليهودية - )، لا بل أنهم لم يعودوا يذكروا اسم الله صراحة على ألسنتهم تقديساً له لئلا يهان بشفاههم ! وعلى متى الرسول الذي يخاطب هذه العقلية اليهودية أن يُنزل الله من هذه الأعالي ليعود إلى سابق عهده وعلاقته وحضوره الشخصي مع شعبه . وعليه أيضاً يحافظ على تقديس الله الذي سينزل ويسكن معنا ، ويخاطبه ويتكلم عنه بكل ما يليق من الاحترام والتقديس (( لذلك فالمولود منك يدعى قدوس الله )) ، وأيضاً يجب أن يستخدم وساطة و جاهة لهذه المصالحة هي نبوات الأنبياء العظام الذين في العهد القديم . وعليه سار متى الرسول وفق الخطوات التالية :
أولاً : ذكر سلسلة نسب السيد المسيح الماسيا : كانت سلسلة الأنساب في العهد القديم والشرق الأدنى بالإضافة لغايتها المدنية والحقوقية والشرعية والتوثيقية تستعمل لوصف العلاقة القائمة بين البشر والإله ((هذا كتاب مواليد آدم يوم خلق الله الانسان على شبه الله عمله ..... وسار اخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلث مئة سنة وولد بنين وبنات )) ( تكوين 5 : 1 - 24 ) . يسجل كتاب نسب بطريقة تنازلية من ابراهيم خليل الله ( الذي وعده الله بنسل مبارك كرمل البحر نسل تتبارك به جميع الأمم ) وصولاً إلى (( يوسف رجل مريم التي وُلد منها المسيح )) ، وهو لايقول يوسف ولد يسوع كما فعل مع السابقين بل أشار إلى مولود ليس من زرع رجل بل من الله . وكأني بهذه الطريقة التنازلية يريد متى الرسول أن يمهد لنزول الله القدوس الذي ارتفع فوق في أعالي السموات . بالإضافة إلى إثبات حقوق المسيح يسوع الشرعية المدنية في وراثته لداود وابراهيم يريد متى الرسول أن يؤكد حقه أيضاً في الملك ، والكهنوت الذي كان يعزل منه من لم يكن له سند نسب يثبت أصوله الكهنوتية ((هؤلاء فتشوا على كتابة انسابهم فلم توجد فرذلوا من الكهنوت وقال لهم الترشاثا ان لا يأكلوا من قدس الاقداس .... )) ( عزرا 2 : 62 ، نحميا 7 ) ، وأيضاً حقه في الميراث المسيحاني الماسياني الذي وعد الله به ابراهيم ويعقوب .
يعنون متى الرسول قائمة النسب التي يدرجها بـ (( كتاب ميلاد - نسب - يسوع المسيح ابن داود )) مستخدماً اسمين لهما مكانتهما في فكر وعقل وقلب وعقيدة وحياة الشعب اليهودي هما : المسيح الذي يرسله الله إنه يسوع ( وكلمة يسوع تعني الله هو الخلاص أو الله يعطي الخلاص ) ، والثاني هو داود الذي عرف بأنه مسيح الرب ومعنى اسمه ( المحبوب أو مختار الله ) الشخصية الكارزمية المرموقة لدى هذا الشعب فهو الملك والكاهن والنبي الممسوح من الله والذي يعرف بابن الله الحبيب والذي عليه سيرتكز متى الرسول ليصل إلى الإعلان بصوت الآب ( عند العماد ) عن أن المسيح يسوع هو ابنه ( متى 3 : 16 ، 17 ) . يقسم جدول الأنساب استناداً إلى داود ( المحبوب ) والمسيح إلى ثلاث حقب كل منها ( 14جيلاً ) - يرى فيها بعض المتأملين أنها مجموع القوى العددية لحروف اسم دود الأساسية ( بإهمال حروف المد ) د 4 + و6 + د 4 - : - الحقبة الأولى هي عصر البداية المرتفعة من ابراهيم إلى داود والتي كان الله يسكن فيها مع شعبه ويسير معهم في كل طرقهم مخاطباً ومكلماً سامعاً ومرشداً . - والثانية هي عصر السقوط إلى الحضيض من أبناء داود حتى السبي والتي فيها أخذت مفاهيم عقيدة ابتعاد الله عن شعبه وتركه لهم وتخليه عنهم تتبلور وتترسخ . - الحقبة الثالثة التي بدأ الشعب فيها مشروع التوبة والندم والرجاء والحنين لعودة تلك الفترة الأولى التي فقدوها انتظاراً لمجيء المخلص وعودة الله للسكن وسط شعبه .
ونستطيع أن نقرأ هذه الحقب الثلاث بالطريقة التالية استناداً إلى النقطة السابقة : - من ابراهيم إلى المحبوب من الله أربعة عشر جيلاً . - من المحبوب إلى الله إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً . - من سبي بابل إلى المسيح ابن الله الحبيب أربعة عشر جيلاً .
وبعمق أكثر يريد متى الرسول استبدال التعلق بداود إلى التأكيد على أن الله هو هو الذي كان مع شعبه ، وهو الذي أفرز له أناساً محبوبين على قلبه لخدمتهم والسعي لخلاصهم .
يذكر في قائمة الأسماء أربع نساء كان لهن دورهن في حياة الشعب وخطة الله في خلاص البشرية وافتقادها وهن : ثامار ، راحاب ، راعوت ، بتشبع التي لأوريا ، ليمهد لدور العذراء مريم في استمرارية هذه الخطة وهذا العمل الإلهي داعماً عمله بنبوة أشعياء كبير الأنبياء (( ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا )) ( أش 7 : 14 ) .
ثانياً : تغذية هذه الحقيقة وهذا الإيمان بإعلانات من نبوات العهد القديم : لقد اقتبس متى الرسول ما يقارب ( 25 ) آية من نبوات العهد القديم تتعلق بشخص السيد المسيح ابن الله الذي معنا وبميلاده وما رافقه من أحداث لا بل تكاد تكون الفصول الثلاثة الأولى نصوص من كتب العهد القديم ونبواته ، و ( 25 ) اقتباس من تعاليم العهد القديم قرأها بروح العهد الجديد عهد الله الساكن مع شعبه ( استعن عند قراءتك لإنجيل متى بالكتاب المقدس الذي يحتوي على الشواهد لتلمس هذا الأمر ) .
ثالثاً : إظهار وجود الله معنا بشخص المسيح من خلال التعاليم والأعمال (المعجزات)
الله يسير مع شعبه كما سار قديما معهم ايام موسى النبي ذلك القائد العظيم ، يعطيهم التعاليم ( الموعظة على الجبل مقارنة مع إعطاء الوصايا لموسى ) والتي يمتلك من خلالها السامع أو القاريء ملكوت السماء ، والبنوة لله والحياة معه ( متى 5 ) ، لا بل إنه يسمع الوصية والرسالة من فم الله مباشرة لا عن طريق وسيط كالملاك أو النبي (( قيل للقدماء ... أما أنا فأقول ..... )) ، كذلك الأمثال كلها تتعلق بملكوت الله ودوام حضوره مع شعبه (( يشبه ملكوت السموات .. )) ( الفصل 13 ) ، ويصنع لهم المعجزات كما صنعها ايام موسى حين كان معهم في البرية ، يدخلهم الى ارض الميعاد ( الملكوت أورشليم السماوية ) ويدخلها معهم كالسابق حين دخلوا أورشليم الأرضية .
رابعاً : حضور الله مع شعبه من خلال الليتورجيا والعبادة : عرف عن الشعب اليهودي افتخاره بهيكل الله الذي يلتقون فيه معه ، وكانت لهم ممارساتهم الطقسية التي يكرمون الله فيها ويلتقونه من خلالها ، وهذا اللقاء فقده هذا الشعب لاسيما عندما دمر الهيكل ، لذلك يقدم لهم متى الرسول طريقة أسهل وأعمق تعيد لهم هذا التواصل : إنه الفصل السادس من إنجيله الذي يتحدث عن الصدقة والصوم والصلاة والتي من خلالهم يلتقون الله ليتورجياً ، و ذروته كانت الصلاة الربانية (( أبانا الذي في السموات ..... )) ، والتحول إلى اللقاء المباشر والعلاقة الفردية مع الله ليس في الهيكل والمجمع فقط بل في المخدع الشخصي .
خامساً : حضور الله مع شعبه كان ومازال وسيبقى إلى الأبد : حتى وإن كان هو صاعداً فوق في أعالي السموات (( وها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر )) وهو آخر آية دوّنها متى الرسول في إنجيله .
لقد بدء بالله معنا وانتهى بالله معنا .
مرقس البشير : ذاك الشاب المفعم بالحيوية ، الذي يختاره الروح القدس لزرع الرجاء والإيمان واليقين بحضور الله مع كنيسة وشعب مضطهد يعاني من الضيقات الشيء الكثير . أناس لا يمتلكون شيئاً من أسلحة المواجهة والمجابهة لا بل الدفاع ضد أنواع الأسلحة وألوان العذابات التي اشتهر بها حكام روما والتي وجّهوها ضد هذه الجماعة الفتية في إيمانها ، والتي أحسّت في ذروة الأزمة بفقدان وجود الله معها .
وسط أجواء الألم والحزن والضيق والبكاء والتنهدات يأتي صوت مرقس البشير في إنجيله صادحاً ومرعداً : (( بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ..... صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله مستقيمة )) ( 1 : 1 - 3 ) .
- هي بداية ثورية ، وهتاف بوق رسول الملك معلناً عن قدوم الملك بكل قوته وقدرته وسلطانه .
- هو لا يتكلم عن تفاصيل ميلاد هذا السلطان , إنه يعلن عن سلطان هذا السلطان ، ويبدأ مباشرة من خدمة يسوع العلنية وصراعه مع الشيطان وانتصاره عليه .....
- سلطانه واضح من خلال أعماله ومعجزاته ( وما أكثرها في إنجيل مرقس الذي يعرف بإنجيل الحركة والفعل والقوة والسطان - action - ) ، وهي ليست معجزات من النوع العادي ، لكنها معجزات لا يصنعها إلا من كان له سلطان عظيم سلطان ابن الله سلطان الله .
- وهي لم تصنع لإظهار قوة هذا الملك وقدرته فقط ، بل صنعت لأجل أتباع هذا السلطان الذين يطلبون منه بثقة ( راجع نصوص المعجزات في هذا الإنجيل ) .
- إنه سلطان يظهر في كل أوقات حياة هذا السلطان حتى في أضعفها وأشدها ألماً : على الصليب يمنع الشمس من أن تعطي ضوءها ، وحجاب الهيكل ينشق إلى شطرين من أعلى إلى أسفل . مشهد عظيم بسلطانه وقدراته دفع بقائد الحرس رجل الحرب الذي له ثقافته ولغته وأدواته الحربية ولا يؤمن بغيرها مقياساً للقوة والسلطان أن يعلن قائلاً : (( بالحقيقة كان هذا الرجل ابن الله )) ( 15 : 39 ) .
- وسلطان صنع هذه المعجزات يمنحه صاحبه ( الله الرب يسوع ) لأتباعه المؤمنين به الثابتين على عهده وولائه (( وأعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة...)) (6 : 1 ) (( فاجابه يوحنا قائلا يا معلّم رأينا واحدا يخرج شياطين باسمك وهو ليس يتبعنا . فمنعناه لانه ليس يتبعنا ، فقال يسوع لا تمنعوه. لانه ليس احد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعا ان يقول علي شرا )) ( 9 : 38-39 ) .
- وهذا السلطان والتفويض المفتوح يمارسه أتباع يسوع حتى في غيابه وبعد صعوده إلى السماء (( وقال لهم اذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها ، من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة ، يحملون حيّات وان شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون ايديهم على المرضى فيبرأون )) ( 16 : 15 - 18 ) .
حقا إنه إنجيل سلطان الله معنا .
لوقا البشير : الطبيب صنعة وموهبة يعرف انعكاسات المرض على أفراد الأسرة والمحيط ، وهو يؤمن أن علاج فرد في الأسرة إنما هو شفاء للأسرة كاملة . من هنا يشرك الشيوخ ( زكريا الكاهن وأليصابات ) ، والشباب والفتيان والأطفال والرضع لا بل حتى الأجنة ( بشخص يوحنا والمسيح الرب في أحشاء أمهاتهما ) في فرح الشعور لا بوجود الله معنا ، بل وجودنا نحن مع الله .
يكتب لوقا البشير لمجتمع أممي فقد الثقة بإله رحيم شفوق متحنن ، إله يعطي ولا يأخذ ، ربّ يعبدوه حباً لا خوفاً وإكراهاً ، يشعرون معه بالفرح والاطمئنان ، لا يحابي ولا يكون حكراً على الأغنياء والسلاطين ، إله يلغي الفوارق الطبقية والاجتماعية ويرفع من المزبلة هذا الشعب البائس الذي خذلته آلهته ( 1 : 46 - 53 ) . ( راجع حالة المجتمع الأممي في المقال السابق من هذا الباب - الخلفية الهلينية - ) .
إزاء هذا الشعور بالانحطاط ووسط هذه الكم من الآلهة لم يعد هم لوقا البشير أن يكتب ليعلم عن حضور الله معنا ، بل ارتفاعنا نحن إلى الحضور الإلهي ، وفيض حنان الله علينا ورأفته .... وسيقوم بهذا العمل كالآتي :
- يبدأ إنجيله بالحديث عن البشارة بميلاد يوحنا المعمدان وهو ليس إله لكنه عطية نالها أناس صالحون أبرار ( زكريا وأليصابات ) وثقوا بإلههم وثبتوا على علاقة شفافة صادقة معه لم تبنَ على مصلحة بل ترسخت بالتقوى والصلاة ، هذه الصلاة والصلة المتواصلة الدائمة هي التي كانت واسطة لسماع أخبار مفرحة تعلن عن عطايا يقدمها هذا الإله مجاناً لمن صدّقوا وآمنوا به وأحبوه . فتأتي البشارة بميلاد يوحنا المعمدان من هذين الشيخين : طفل له شأنه ومكانته ودوره في حياة أسرته ومجتمعه ومع إلهه . هي رسالة لمجتمع اتخذ من الأطفال والولادات موقفاً ! لماذا الإنجاب ؟ ليكون الأولاد عبيداً مسلوبي الحرية والمكانة لا بل والشرف ! ( الله يفتقدنا بكل مولود وهو معنا من خلاله، ونحن نسهم مع الله في ديمومة الحياة ونحن بالحقيقة شركاء إلهنا في هذا العمل استمرارية الخلق والحياة .... ) هذه أولى نقاط الشراكة مع الإله التي قدمها لوقا البشير ولعله بدأ بالقيمة الأعلى لهذه المشاركة : الخلق والحياة !
- ثم يعود ليؤكد أن هذا الدور يشمل الرجل والمرأة ، إذ ليس الحضور والشراكة مع الله حكر على الرجال بل للمرأة دورها الأهم في ذلك لأنها هي التي ستحتضن نتاج هذه المشاركة وهي التي سترعاها وتنميها وتكبرها ( هذا ما أوضحه في الحديث عن البشارة بميلاد يسوع المسيح وقبول المرأة مريم لهذا القصد الإلهي ) .
- هذا القصد الإلهي وما يثمره من حياة ونعم وبركات يتممه كل أطياف المجتمع : الأجنة والأطفال والفتيان والشباب والنساء والرجال فقراء وأغنياء ( اقرأ الفصلين الأولين بتأمل لتكتشف هذه الحقائق ) .
- تأمل بمفردات الأناشيد التي يقدما لوقا البشير في الفصلين الأولين بدءاً من كلمات بشارة الملاك لزكريا الكاهن الشيخ ولمريم الفتاة ، وكلمات أليصابات ، وترنيمة مريم ، فنشيد زكريا ، ثم بشارة الرعاة وتسبحة الملائكة ، وصرخة سمعان الشيخ الإعلانية ، وحمد حنة النبية : كلها شملت في مفرداتها معاني : إفتقاد الله لشعبه ، الفرح والسرور ، الرفعة والمجد ، السلام والأمان ، النصرة والخلاص وهذه كلها تشعر الانسان بوجود القوة الإلهية معه لا بل ترفعه إلى عالم الإلهيات والروحيات .
- ولكي يؤكد لوقا الطبيب الحاذق على هذا الارتفاع يدّون سجل نسب يسوع المسيح بعكس الطريقة التنازلية التي فعلها متى الرسول . إنه يكتب بطريقة تصاعدية من يسوع الذي بيننا ( الذي يقصد به كل انسان مولود على هذه الأرض ) وصولاً إلى آدم ابن الله. و قصده هو الارتفاع بالإنسان ليصل إلى الله ومملكته والاتحاد به ، وكما قلنا سابقاً لا يكتفي بإعلان وجود الله معنا بل يريد أن يرفعنا إلى مستوى وحق أعلى : أن نكون نحن مع الله .
- هذا الإله يشعر بضيقة شعبه وأتباعه ويلبي لهم طلباتهم ويخفف عنهم ألمهم بحنو ، فهو يصنع المعجزات ويشفي أمراض الذين طلبوا إليه ويحي مواتاهم بلمسة إلهية ، ولمسة حنونة . والتطويبات فيه تختلف عن التي في إنجيل متى بإقتصارها فقط على : المساكين والجياع والباكين والمبغوضين والمطرودين والمنبوذين ، ويستثني الرحماء وأنقياء القلب و صانعي السلام الذين ينعمون حقاً بالفرح والراحة والطمأنينة والسرور .
- أما الصلاة فهي صلاة ترفعنا إلى الله ، والصلاة الربية التي يدونها لوقا البشير يريد منها أيضاً عكس ما أراد متى الرسول . ففي متى الرسول يقول : (( أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض ... )) ومن خلالها يريد أن يؤكد على نزول الله إلينا و حضوره معنا في الصلاة وهذا كما قلنا ما كان يشفي غليل الشعب اليهودي الذي كان يريد أن يعيد إلى حياته هذا الحضور الذي عاشه سابقاً وآمن به .... أما جماعة لوقا البشير فالوضع لديها مختلف : الآلهة متعددة وحولها في كل مكان ، لكن الجماعة لم تلمس من الآلهة ما يرفع شأن الأفراد خاصة كما قلنا البسطاء ، لذلك يدون لوقا البشير الصلاة الربانية بالطريقة التالية: (( أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك )) ويستبعد عبارة (( لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض )) - هكذا وردت في الترجمات اليسوعية والمشتركة والبولسية والشريف - وحتى إن دونت يقرأها لوقا البشير كما فسرها مار يعقوب السروجي أننا عندما نقول أبانا الذي في السموات نرفع أنفسنا إلى هذا المقام العالي ، وننسب ذواتنا إلى هذا الإله السامي .
- التعاليم في إنجيل لوقا تقوم في جوهرها على تأكيد عناية الله بنا ، والسعي لإغناء نفوسنا بالله ، وما أجملها من آية تلك التي ختم بها تعليم يسوع عن محبة الأعداء (( كونوا رحماء كما أن الله أباكم رحيم )) ( 6 : 36 ) . إقرأ مثل السامري الصالح و مثل العصافير في السماء ، والتعليم عن الثقة بالله ( 12 ) وغيرها .
- في تفاصيل آلام يسوع يركز أيضاً لوقا البشير على المفردات : لا تبكين ، اليوم تكون في الفردوس ، وبعد القيامة يظهر لتلميذي عمواس الحزينين ، ويزرع الفرح العارم في صدور التلاميذ (( ولكنهم ظلوا غير مصدقين من شدة الفرح والدهشة )) ( 24 : 41 ) .
- عند صعوده يرفع يده ويباركهم ويرتفع إلى السماء . وهي نهاية مفتوحة على السماء تبقي أنظار وتعلق المؤمنين بهذا الموطن العالي السامي ، ويبقون على الدوام يعيشون الفرح العظيم (( فسجدوا له ورجعوا الى اورشليم بفرح عظيم )) .
إنه إنجيل أفراح الله و حنان الله معنا
يوحنا الرسول : النسر الذي حلق في فضاء اللاهوت يبدأ إنجيله بنشيد الكلمة ، ويا لها من بداية تهز عقول الجميع يهوداً وأممين ، فلاسفة وحكماء وجهلاء : (( في البد كان الكلمة ... الكلمة الله .... والكلمة ( الله ) صار جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده : مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ... )) ( الفصل الأول ) .
هذا الاعلان الذي ينم عن معرفة بالله الذي معنا هو ما يريد أن يقودنا إليه يوحنا الرسول . لقد كان الله معنا بشخصه في إنجيل متى ، وبسلطانه وقوته في إنجيل مرقس، وبمشاعره وعواطفه وحنانه ومسراته في إنجيل لوقا ، يوحنا الإنجيلي يسألنا بعد هذا كله هل عرفنا الله ؟ ! من هو الذي بيننا ؟ هل هو وهم ؟ ام خيال ؟ ام فكرة ؟ هل معرفتنا له كما عرفه المفكرون والفلاسفة يومذاك ؟ هل هي معرفة تقوم على المنفعة :
- بهذه المقدمة يخاطب يوحنا الرسول عقول وأفكار ومعتقدات كثيرة :
◄ اليوناني يعتبر الكلمة فكرة سواء كانت في عقل الله أم كلمة مقولة ... وهي منفصلة عن المادة وتتغلغل في كل جزء من الطبيعة . وعندما يأتي يوحنا الرسول ويقول : (( الكلمة صار جسداً )) أي مادة فان اليونانيين يعتبرون هذا الأمر جهالة : فهم لا يتخيلون ان السماوي أو الأسمى والأعلى يدخل في الأشياء السفلى الأرضية ولا يتحول الكامل الى ما هو أقل كمالاً .
◄ اليهودي يعرف عن الكلمة انها أداة الله في الخليقة (( اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ مُنْذُ الْبَدْءِ مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ. إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ تَكُنْ يَنَابِيعُ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ التِّلاَلِ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَنَعَ الأَرْضَ بَعْدُ وَلاَ الْبَرَارِيَّ وَلاَ أَوَّلَ أَعْفَارِ الْمَسْكُونَةِ. لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ. لَمَّا أَثْبَتَ السُّحُبَ مِنْ فَوْقُ. لَمَّا تَشَدَّدَتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ. لَمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ فَلاَ تَتَعَدَّى الْمِيَاهُ تُخْمَهُ لَمَّا رَسَمَ أُسُسَ الأَرْضِ كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ. 31فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمٍ )) ( أمثال 22:8-31 )، وهي في حقيقتها الناموس نفسه والناموس أبدي كامل له السلطة العليا في الديانة .. إنه الحكمة وكمالها . فهل يعقل أن يكون يسوع ابن مريم هو السلطة العليا والنهائية في الديانة - حسب التفكير اليهودي - ؟ .... إن مقدمة إنجيل يوحنا تعظم يسوع فوق الناموس ، وتعلنه كلمة الله الذي أعلنها للشعب والأنبياء وهو الذي جاء الى خاصته وخاصته لم تقبله ... لا بل كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله . ترى هل يقبل العقل اليهودي هذا الإعلان ؟
- لا يكفي ان يكون الله معنا بل أن نعرف الله الذي معنا معرفة حقيقية : وتعرفون الحق والحق يحرركم ( 8 : 32 ) ، ومن هنا يركز يوحنا الإنجيلي على مفردات تتعلق بمعرفة الرب منها :
الحق والحقيقة : حوالي ( 52 ) مرة .
عرف ومشتقاته : حوالي ( 42 ) مرة .
هذه المعرفة يجب أن تكون معرفة حقيقية كاملة ، فالبعض يعرفه نبي ، والآخر صانع معجزات ، والآخر معلم ، أو ملك ، أو صاحب سلطان ، أو رسول ، أو ابن يوسف ومريم ، أو ابن الله ( وكل حسب إدراكه لهذه البنوة ) ...............
لكن يوحنا المعمدان يلخص كل شيء بخاتمة نبوات الأنبياء عن شخص المسيح يسوع قائلاً : (( هوذا حمل الله الرافع خطية العالم )) ( 1 : 29 ) ، والتي يعلنها يوحنا الإنجيلي في الفصل الأول من كتابه بعد تلك المقدمة التعريفية عن يسوع الكلمة الذي هو: منذ البدء ، والكائن عند الله ، هو الله ، كل شيء به كان ، فيه كانت الحياة ، النور ، الكائن في العالم ، جاء إلى خاصته ، خاصته لم تقبله ، يعطي الذين يقبلوه سلطاناً ، يصيّر المؤمنين أولاداً لله ، هو صار جسداً ، رأينا مجده ، النعمة والحق به صارا ، المخبِّر عن الله ، الرب ، هذا حمل الله الرافع خطية العالم .
ثم يشير يوحنا الرسول إلى سعي تلاميذ يوحنا ، وتلاميذ يسوع ، والآخرين لمعرفته ( 1 : 35 - 2 : 25 ) .
بعدها التحول إلى المعرفة الأعمق ( الروحية واللاهوتية التي أعلنت بمحاورات الأولى عن الولادة الثانية الروحية مع رجل هو نيقوديموس ، والثانية عن شخص يسوع الكتابي والتوراتي والمسياني واللاهوتي مع المرأة السامرية ، بعد ذلك مع الجموع ليؤكد أن المعرفة لا تقف حكراً أحد أو جنس أو عرق ( الفصول 3 - 5 ) .
وهكذا يبدأ بطريقة تصاعدية بالإعلان عن حقيقية ومعرفة تلو الأخرى ليبدأ من ثم بالتركيز على الحقائق الجوهرية مستخدماً عبارة (( أنا هو ..... )) بطريقة إعلانية وتوكيدية وهي التي استخدمها الله في سفر الخروج حين أعلن ذاته لموسى قائلاً : (( أنا هو )) أو (( أهيه الذي أهيه )) 14:3 . والمسيح في إنجيل يوحنا يقول :
- أنا هو نور العالم 12:8 . - أنا هو الشاهد لنفسي 18:8 . - أنا باب الخراف 7:10 . - أنا هو الراعي الصالح 11:10 . - أنا هو القيامة والحياة 25:11 . - أنا هو الطريق والحق والحياة 6:14 . - أنا الكرمة الحقيقية 1:15 ، 5 . - إني ملك 37:18 .
السعي لهذه المعرفة لا يكون لأجل المعرفة بحد ذاتها بل بسبب الحب والمحبة ، أو بتعبير أدق هي المعرفة التي يكشف فيها الأحباب أسرارهم لبعضهم ويكونوا شركاء في كل شيء حتى أكثر الأمور خصوصية وسريّة : (( الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده )) ( 3 : 35 ) . (( لان الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا انتم )) ( 5 : 20 ) . وما يقوله عن الابن سيحوله ويسلمه إلى المؤمنين بالابن : (( بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضا لبعض )) ( 13 : 35 ) . (( وصية جديدة أنا أعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا )) ( 13 :34 ) . (( لا اعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده . لكني قد سميتكم احباء لاني أعلمتكم بكل ما سمعته من ابي )) ( 15 :15 ) . (( لان الآب نفسه يحبكم لانكم قد احببتموني وآمنتم اني من عند الله خرجت )) ( 16 : 27 ) . (( وعرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي احببتني به واكون انا فيهم )) ( 17 :26 ) . هذه المحبة تقود الى حفظ الوصايا وصايا الحبيب : (( ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي )) ( 14 : 15 ) . (( الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني. والذي يحبني يحبه ابي وانا احبه واظهر له ذاتي )) ( 14 : 21 ) .
لا بل تدفع إلى تحمل الآلام لأجل الحبيب : (( لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية )) ( 3 : 16 ) . (( لهذا يحبني الآب لاني اضع نفسي لآخذها ايضا )) ( 10 : 17 ) . (( من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها الى حياة ابدية )) ( 12 : 25 ) . (( ليس لاحد حب اعظم من هذا ان يضع احد نفسه لاجل احبائه )) ( 15 :13 ) . (( اما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم ان ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم الى الآب اذ كان قد احب خاصته الذين في العالم احبهم الى المنتهى )) ( 13 : 1 ) .
إنها المحبة التي لا تفرق بين الأحباء بل تبقيهم في حال اتحاد دائم : إنه الاتحاد الدائم الذي رسخه يوحنا الرسول بتركيزه على سري العماد والولادة الجديدة ، والقربان المقدس ( الافخارستيا ) اللذين يستمر يوحنا الانجيلي في التأكيد عليهما والحديث عنهما حتى لحظة موت الرب برمزية الماء والدم، وهما (أي السرين) اللذين يعبران عن دوام حضور الله يسوع المسيح الشخصي والمتحد بالمؤمنين به وأحبائه ،
والمحبة التي لها هذا الحد والمقياس تؤول إلى الأمجاد : (( ايها الآب اريد ان هؤلاء الذين اعطيتني يكونون معي حيث اكون انا لينظروا مجدي الذي اعطيتني لانك احببتني قبل انشاء العالم )) ( 17 : 24 ) .
وبذلك أصبحنا نحن مع الله في المجد : تلك المفردة التي يكررها يوحنا في كتابه هذا (30) مرة . هذا ما عناه الرب بسؤاله لبطرس بعد قيامته لينهي يوحنا إنجيله الذي بدأه بالمعرفة والمحبة بنفس البداية (( قال له ثالثة يا سمعان بن يونا أتحبني ( أكثر من هؤلاء ) فحزن بطرس لانه قال له ثالثة أتحبني فقال له يا رب أنت تعلم كل شيء. انت تعرف اني احبك.قال له يسوع ارع غنمي )) ( 21 : 17 ) . ابتدأ بالمعرفة فالمحبة ، وانتهى راعياً ممجداً .
فليس الله فقط معنا بل أسرار الله وخصوصياته هي أيضاً معنا والآن أصبحنا نحن والله واحد ثابتين فيه وراسخين به متحدين معه ( لمسناه ، رأيناه ، عرفناه ، عبدناه بالروح والحق 4 : 23 - 24 ) نحن في الآب والآب فينا ، ونحن لذلك على صورة الله كشبهه ومثاله ( تكوين 1 : 26-27 ) : صورة المجد التي بدأها الكتاب المقدس و ينتهي بها يوحنا الإنجيلي.
الله معنا بكليته : بشخصه ، بقوته وسلطانه ، بعواطفه ومشاعره ، بنعمه وخيراته وعطاياه ، بنوره ، بمعرفته وحكمته ، بأسراره ، بخصوصياته ، بمحبته ، بآلامه ، بأمجاده وهذا ما عناه بولس الرسول بقوله )) :إِن كان الله معنا ، فمن علينا ؟ الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين ، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء ؟ من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف ؟ ..... ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ، فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى ، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا )) (رو8: 31ـ 38).
الأب بولس ملكي |