أنا هو الطريق والحق والحياة
 
       المتواجدون حالياً
  المتواجدون حالياً :1
من الضيوف : 1
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 63198
عدد الزيارات اليوم : 6
أكثر عدد زيارات كان : 3265
في تاريخ : 20 /04 /2011



Google Pagerank mérés, keresooptimalizálás



 


مجلة الطريق » الأخبار » الحضارة السريانية


الحضارة الآرامية السريانية بين الماضي والحاضر "1"


ما هي الحضارة ؟... الحضارة هي تاريخ شعوبٍ اتسمت بالمدنية والتقدم والازدهار، فالحضارة مشتقة من فعل حَضَر أي وُجِدَ واسم الحضور أي الوجود،


فالذي يعمل بجدٍّ ونشاطِ من أجل أن يُثبِتَ وجٌوده بهذا العالم الذي هو أشبه بالغابة المترامية الأطراف ويجتهد أن يكون فيها شجرة مثمرة وارفة الظلال يأوي إليها الطير ويغرِّد على جمالها ويهنئ بالنوم على أغصانها ويأكل الإنسان من ثمارها ويتلذذ من طيبها. لا أن يكون مثل بنات آوى يتردد بين جدرانها بدون جدوى ويعمل جاهداً لكي يؤذي الآخرين ولا نفع لوجوده.


لو قلَّبنا صفحات التاريخ وتعمَّقنا بكلمات صفحات الزمن لرأينا بأن هنا شعوب عبروا  على سفوح هذا العالم مثل غبار الصحراء دمّروا أكثر مما بنوا وخرّبوا أكثر مما أفادوا، فكانوا أشبه بالغيوم الفارغة التي تسبح في الفضاء من دون ماء وتغلق طياتها بوجه العطاء. فهذه الشعوب سوف ينساهم التاريخ  لئلا يتألم ويبكي عندما يذكرهم.

وهناك أقوام  كرامٌ نسجوا من الآلام أثواب الأمل والسلام. سعوا إلى تحقيق الأحلام من صدق الكلام، ساروا مسرعين لاقتناء العلم والمعرفة ، وعملوا جاهدين على خدمة الإنسان ورعايته، فحافظوا على ثقتهم بأنفسهم، وعلومهم وفلسفاتهم ، وحكمهم واكتشافاتهم ، وقبل كل هذا اتشحوا بثوب التمسك والحب الإخلاص للغتهم وتاريخهم . فأصبحوا مثل المنارة التي أنارت العالم بنورها ، ومثل الينبوع الصافي الذي روى الأرض بمياهه العذبة، فأقولها وبكل ثقة بأن مثل هذه الأقوام والشعوب فهي تحيَ إلى الأبد ولو أنها توارت عن الأنظار إلاّ أنها تعيش بشعاعها و وازدهارها وبحب الناس الغير متناهي لها. ومن هذه الحضارات المتألقة الحضارة الآرامية السريانية.

.الساميون وتاريخهم: من هم الساميون؟.: لقد اختلف الباحثون  والمستشرقون بتحديد موطن الساميين ولا سيما الآراميين. ويهذا الصدد قال المستشرق الفرنسي ( جان شابو): ولسنا كذلك نعرف بالتأكيد موطن الساميين الأولين، فبعض العلماء من ذوي الخبرة يزعمون أن منشأهم ألأقطار الواقعة في جنوب بحر قزوين وفي جنوبه الغربي، وأنهم رحلوا من هناك وانتشروا من ثمَّ شيئاً فشيئاً في كلِّ الأقطار  التي نصادفهم فيما بعد من الأزمنة. ويرى آخرون أن صفات الساميين العنصرية ومنها: الإيمان الشديد والتعصّب والتصور تتم على أصل صحراوي. وزعم سايس  أنهم من بلاد العرب ووافقه الكثير من المستشرقين على هذا الرأي. ولا زالت آراء العلماء في نشوء الأمم السامية وموطنها الأصلي غير ناضج حتى وقتنا هذا. وربما يكشف لنا المستقبل عن أجوبةٍ شافيةٍ وحلول كافيةٍ لهذه المعضلات( تحقيقات لغوية في حقل اللغات السامية للمطران غريغوريوس بولس بهنام مطران بغداد والبصرة، ص:10) . ويرجع أهم ما قيل بهذا الصدد إلى ستة آراء:

1: يقول فون كريمر... وغودي.. وهومل.. : إن المهد الأصلي للأمم السامية كان جنوب العراق، وهذا الرأي يتفق على ما ذكرته التوراة من أن أقدم ناحية عمَّرها أولاد نوح هي أرض بابل، ويرون أن الساميين هاجروا قديماً إلى شمال بلاد العرب، ثمَّ استوطنوا تلك البلاد ، ومن تلك الجهة هاجروا إلى بابل قبل أن يهاجر الآريون إليها، وأقدم موطن لأدب الساميين في نظرهم هو وادي دجلة والفرات، ويستدلون على رأيهم هذا بكلمات مشتركة في جميع اللغات السامية تتعلق بالعمران والحيوان والنبات، ويتخذون من هذا الاشتراك دليلاً على رأيهم، ويقولون إن أول من استعمل هذه الكلمات هي أمم تلك المنطقة ثمَّ أخذها عنهم جميع الساميين، وحجة غودي في ذلك هي أن المعاني الجغرافية والنباتية والحيوانية التي عبَّر عنها الساميون في لغاتهم منذ شُتتوا وتفرقوا، تطابق تمام المطابقة الخواص الطبيعية لنهر الفرات الأسفل وحده. بيد أن المستشرق الألماني ( نولدكه) يعارضه في هذا الرأي معارضة شديدة ويقول: إن من العبث أن نعتمد في إثبات حقيقة كهذه على جملة كلمات ليس ما يثبت لنا أن جميع الساميين أخذوها عن أهل العراق. ويسرد أسماء عن الحيوان والعمران تختلف تسميتها من لغةٍ إلى أخرى مع أنها جديرة أن يكون لها لفظ واحد مشترك في جميع اللغات السامية. لأنها كانت موجودة عند الجميع حين كانوا أمةٌ واحدة  وحين تفرَّقوا أمماً شتى.

2: ويرى بعض العلماء أن المهد الأصلي للأمم السامية كان بلاد كنعان و يستدلون من هذا بأن ألأقوام كانت منتشرة في البلاد السورية القديمة منذ أزمنة متوغلة في القدِم ، وأن مدينتهم فيها قديمة لا يُعرف مبدأ نشأتها، وإن الكنعانيين هم أقدم في الوجود والنشأة من ساميي العراق، وعلى ذلك فالأخيرون قد نزحوا من بلاد كنعان مباشرة إلى العراق أو بعد نزوحهم إلى بلاد العرب، إذن فبلاد كنعان في نظرهم هي المهد الأول للأمم السامية، فأما بلاد العراق التي يرى أصحاب المذهب الأول أنها المهد الأول للساميين فقد كان يسكنها من قبلهم الشعب السومري، وكانت له فيها مدينة زاهرة قبل المدينة السامية وكان نزوح الساميين إلى العراق في عصر كانت فيه بلاد كنعان معمورة باسم سامية متمدنة.

3: ويرى البعض أن الساميين قد نشأوا في بلاد الحبشة ونزحوا من ثم إلى القسم الجنوبي من بلاد العرب ومنه انتشروا في مختلف أنحاء الجزيرة العربية.

4: ويرى آخرون أن الصلة بين اللغات السامية والحامية تدل على المهد الأول للساميين يجب أن يكون في شمالِ أفريقية ، وأن قلة الشبه الجسمي في الشعر وفك الأسنان بين الجنسيين السامي والحامي إنما هي ناجمة عن كثرة اختلاط الساميين والحاميين بالشعوب المختلفة، وهم يرون أن الأمم السامية نزحت من شمالِ أفريقيا إلى آسيا عن طريق قناة السويس.

وأصحاب الرأيين الثالث والرابع ليس لهم من دليل سوى الصلات اللغوية بين اللغات السامية والحامية، والزعم بناء على ذلك بأن الجنسين السامي والحامي كانا في أفريقيا منذ أقدم العصور.

5: ويرى البعض الآخر أن المهد الأول للساميين هو في جهات معينة من أرمينية استناداً على ما جاء في سفر التكوين من أن الشعوب السامية انحدرت من مدينة ( ارفكساد) إلى حدود أرمينية وكردستان، وفريق من هؤلاء يرى أن بلاد أرمينية كانت المهد الأول للشعبين السامي والآري معاً.

6: ويرى الكثير من كبار المستشرقين من قُدامى ومحدثين أن المهد الأول للساميين كان القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، ويؤيد هذا الرأي الأستاذان رينان الفرنسي وبروكمان الألماني، ودي غوجه الهولندي ورايت الإنكليزي، وهذا هو أصح الآراء وأكثرها اتفاقاً مع حقائق التاريخ ويعضد سايس في كتابه
( الأجرومية الآشورية ) هذه النظرية قائلاً (( إن جميع التقاليد  تدل على أن بلاد العرب هي الموطن الأصلي للساميين، فهي الأرض التي ظلت منذ زمان متوغلة في القِدَم خاصة بهم. (1): دروس اللغة العبرية للأستاذ ربحي كمال ص : 10و11و12)). ونصراء الرأي الأخير يستدلون على صحة رأيهم بأن الهجرة في هذه البلاد كانت تتجه دائماً من بلاد نجد والحجاز واليمن وما إليها إلى سورية والعراق وما إليها. فمن القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية نزح الساميون إلى جنوب العراق وغزوا بلاد السومريين وأقاموا فيها مملكة بابل الزاهرة، ومن هذا القسم نزح الساميون شمالاً حيث نشأت من سلالاتهم الشعوب الكنعانية حوالي القرن السادس والعشرين ق.م. ويبدو أن قبائل عاد وتمود لم تنزح مع النازحين، وتركت هذه البقعة آثاراً ونقوشاً قيِّمة ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في إماطة اللثام عن تاريخ اللغات السامية عامةً واللغة العربية خاصةً، ومن هذا القسم نزح في مستهل التاريخ الميلادي بعض القبائل المعدية من الحجاز إلى الشام، وبعض القبائل القحطانية من اليمن إلى الحجاز والشام والعراق. مما يزيد هذا الرأي تأييداً ما نلحظه من الظواهر اللغوية، ووحدة الفكر ، وميزة العقلية السامية القديمة التي تعتمد على الحس المشاهد لا على المعنوي الدخيل، واصطباغ ذلك كله بصبغة مشتركة أصلها وحي الصحراء وقوامها حياة البداوة، مما يدل على أن الجماعة السامية الأولى التي توارثت الأمم السامية عقليتها ولغتها وخيالها قد نشأت بادئ ذي بدء في بيئة صحراوية فقيرة في المظاهر الطبيعية كالحجاز ونجد، وعليه جاز لنا أن نقول بأن أصل جميع الشعوب السامية هو القسم الجنوبي  الغربي من شبه الجزيرة العربية، أو الشمال الشرقي من الجزيرة العربية أي المنطقة الواقعة في أسفل الفرات.

الآداب السامية  ومكانتها في الآداب العالمية:

اهتم العلماء الباحثون والآثاريون بالآداب السامية منذ نشأت العناصر الأساسية المميزة للحضارة، كالمدن وأنظمة الحكم والكتابة والتدوين والشرائع المدونة، والفنون والأنظمة الدينية، وأسس العلوم والمعارف إلى غير ذلك من مقومات العمران والمدنية، حيث شرع الإنسان ببناء الحياة الاجتماعية  ومعانيها وقيمها، وأخذ يُعَبِّر عن تصوراته وأفكاره وانطباعاته وذلك على ضفاف الرافدين ، ويتسم هذا الأدب بالصفات الأساسية التي تميزت بها الآداب العالمية الناضجة، وسواء أكان من ناحية الأساليب وطرق التعبير أم من ناحية الموضوع والمحتوى ، أم من ناحية الأخيلة والصور الفنية. وقد اكتشف المنقبون الآثاريون في (( أوغاريت: تقع على الساحل السوري شمال اللاذقية وتُسمى أيضاً { رأس شمرا} )). المدينة الكنعانية القديمة، أدباً كنعانياً، يرُجَّح تاريخه لحوالي منتصف الألف الثاني ق.م. أي إلى ما بعد العهد الذي دُون في أدب وادي الرافدين بأكثر من خمسمائة سنة. ومثل هذا يقال في الأدب العبراني الذي تضمنته التوراة فهو متأخر كثيراً بالنسبة لأدب وادي الرافدين، إذ لا يتعدى زمن تدوين التوراة القرنين السادس والخامس ق.م. ونذكر على سبيل المقارنة أيضاً الألياذة والأوديسة المنسوبتين إلى هيرونيموس، واللتين تمثلان أقدم نماذج للأدب اليوناني، ونذكر أيضاً ال
"" رج ــ فيدا "" الممثلة لأدب الهمد القديم ، وال"" أفستا "" (( الابستاق )) المتضمنة أقدم  آداب إيران، فمن هذه الآداب القديمة ما دُونَ قبل منتصف الأول من الألف الأولى ق.م.أي في زمن تدوين آداب السومريين والبابليين قد جاء إلينا على هيئته الأصلية دون تحوير ولا تبديل ولا إضافة، أي كما كُتبَ ودُوِنَ بأقلام الكتبة على الواح الطين قبل أربعة آلاف عام:S,N,Kramer,Sumerian,Mytholage)1961). وأشهر النصوص الأدبية السومرية والبابلية تدور حول أصل الوجود والخليقة وأصل الكون والآلهة والحضارة (( Cosmogony and Cosmology))  وعلى رأسها قصة الخليقة البابلية ومجموعات أخرى تدور حول أعمال الأبطال وأشباه الآلهة قبل ملحمة جلجامش وقصة "" إبتانا "" الراعي وقصة "" آدابا " وغيرها من مجاميع تتناول العالم الثاني كأسطورة نزول الآلهة عشتار (( أنانا السومرية )) إلى ذلك العالم. ثم القطع النثرية الأدبية التي تضمنت الرسائل وأعمال الملوك والأخبار والتراتيل والأغاني الدينية والصلوات والأدعية وغيرها، ولهذه الآداب قيمة عالمية كبرى لأنها تُعد أولى الآداب العالمية الناضجة.

الشعوب الآرامية السريانية وآدابها المزدهرة:  لمّا كانت اللغة الآرامية السريانية من أقدم اللغات ، فبالضرورة المحتمة يكون أدبها من أقدم الآداب وأقربها إلى الينبوع الحقيقي الذي تدفقت منه الحياة الفعلية للأمم الشرقية. فالأمة الآرامية السريانية عاشت في كل عصورها والعلم والأدب ينيران لها طريق الحياة . لهذا فنحن متأكدون من قِدمِ  وغزارة وعمق أدب لغتنا الآرامية السريانية. لأنها نابعة من غزارة تفكير جدودنا الأقدمين وكثرة علومهم ووفرة معارفهم.

من هم الآراميون: لقد ذكر المثلث الرحمات البطريرك يعقوب الثالث في كتابه البراهين الحسية على تقارض السريانية والعربية: بأن الآراميين ينحدرون من آرام وهو الابن الخامس لسام بن نوح الجد الأعلى لجميع الشعوب السامية، كما ذكر سفر التكوين ( 22:10) . ويذكر نيافة الحبر الجليل مار سويريوس اسحق ساكا في كتابه السريان إيمان وحضارة الجزء الثالث صفحة 13: بأنه هناك رواية أخرى في سفر التكوين ص: 2:22 إننا نجد آرام هو ابن قموئيل بن ناحور، وناحور هو أخو إبراهيم الخليل. وفي سفر أخبار الأول ص:34:7 نجد بأن آرام من نسل أشير الجد الأعلى لقبيلة أشير . والمهم.... أن آرام من صلب الشعوب السامية.( أنيس فريحة: دراسات في التاريخ ص224... ونستنتج  مما ورد في سفر التكوين بأن المشرق : أي بلاد العراق اليوم هو الوطن الأول للدوحة السامية، ولا سيما عندما ذكر بأن الأرض كانت كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً، ورحلوا كلهم من المشرق ووجدوا بقعة في شنعار، فأقاموا هناك حيث بلبل الله لغتهم حتى لا يفهم بعضهم بعضاً لغة بعضٍ، وبدَّدهم وشتَّتهم على وجه الأرض لذلك سميت بابل( تك: 1ـ9) لهذا رأى المستشرق الإيطالي غويدي ومعه بعض أعلام الفكر بأن الجزء الأسفل من نهر الفرات هو المهد الأول للساميين.

( إلى هنا نقف وسنكمل هذا البحث بالعدد القادم )

 

                                                                                         الأب : يعقوب كامل طحان

 



: المشاركة التالية